تيري جونز - اوباما: حرية للاديان ام حرية من الاديان ؟!

 

 عسام شكري

الاخير لباراك اوباما يوم الجمعة 10 ايلول 2010 تحدث عن نية القس تيري جونز بحرق القرآن بمناسبة الذكرى السنوية لتفجيرات نيويورك والتي ادت الى مجزرة بشرية راح ضحيتها اكثر من 3000 انسان.

 

لم يخرج اوباما عن خط الحزب الديمقراطي ومجمل الادارة الامريكية الحالية من الاسلام السياسي (ومايسمى الحرب على الاسلام او الاسلاموفوبيا). فقد حث الامريكيين على عدم الانسياق الى الاحقاد التي ادعى ان القس الامريكي سيؤججها بحرق القرآن  قائلا ان امريكا هي بلد فريد من نوعه لانه الوحيد الذي يكفل ”حرية الاديان”.

 

ان هذه الحرية التي يتبجح اوباما بها ليس لها علاقة بالحرية. فهي تستخدم كلمة الحرية لفرض (سلب) الدين لحرية البشر.  ان اوباما يريد ان يعرف المجتمع الامريكي بانه مجموعة من ”الملل“ والاديان التي يجب ان يحترم كل منها دين الاخر. ومن يجرؤ على انتقاد اي دين فانه سيتهم بالمس بحرية الاديان ليمكن اخراسه.

 

ان المسألة بالطبع تتجاوز القس الاخرق  الذي لا يمكن ان ندخل في مهاترة حول شرعية او لا شرعية نيته بحرق القرآن. ان تيري جونز هو احد اعمدة الدين في امريكا وبالتالي فان مقولة اوباما حول تجاوزه على ”حرية الاديان“ مست ذلك القس الورع في الصميم !. بالطبع ليس في نية هذا القس ان يرى بدوره من ســ”يحرق دينه ” في الغد، لذا تراه تراجع بسرعة عن نواياه قبيل يوم 11 ايلول ذكرى مجزرة نيويورك قائلا:“ لن احرق القرآن حتى ”لو بني جامع في موقع تفجيرات 11 أيلول“.

 

ان دجل ونفاق اوباما ومعه كل طاقم الحكم الامريكي والمئات من ”الزعماء“ العالميين  حول حرية الدين وضرورة التسامح الديني لا تقل مطلقا عن دجل ونفاق تيري جونز وبقية رجال الدين  الاسلاميين بالطبع. فالبرجوازية الامريكية التي قدمت اوباما على اساس كونه اول رئيس اسود ( مقابل جورج بوش اليميني الابيض ) راهنت بالاساس على لونه دون محتواه. لقد كان قادة امريكا الاوائل البيض اكثر ”سوادا“  من اوباما نفسه رغم انهم كانوا عنصريين بيض بمقاييس اليوم بالطبع.

 

لقد قامت الدولة الامريكية على اساس الفصل بين الكنيسة والدولة؛ ايام  المؤسسين الاوائل جيفرسون و جورج واشنطن وفرانكلين وباين قبيل اكثر من مائتي سنة. قادة البرجوازية الراديكاليون اؤلئك والذين تأثروا عميقا بالثورة الفرنسية واثار جان جاك روسو وفولتير والانكليز جون لوك وديفيد هيوم، والذي لا ينفك اوباما يذكر العالم كم هو مخلص لهم، لم يكونوا يمنحوا اي فرصة لتدخل الدين في حياة المجتمع ولم يطالبوا قط بالدفاع عن الاديان بل بالعكس بحماية البشر والمواطنين من الاديان.

 

بعد اكثر من مائتي سنة يريد اوباما ”التقدمي الاسود“ ان يعيد الدين الى وسط المجتمع. وحين يتم انتقاد الدين او حرق رموزه، يحتج متعذرا بحرية الاديان بدلا من المطالبة بالحفاظ على حرية النقد وحرية التعبير غير المشروطة وحرية الانسانية من وحشية وبربرية الدين وتمييزه وحماقاته.

 

المسألة الاساسية لاوباما ( في هذا الصراع الرجعي بين رجل دين مسيحي والاسلاميين في امريكا) هو ليس تعريف البشر بشكل مزيف على انهم اتباع اديان خرافية بل على ان الاديان يجب ان تبقى ”حرة“ من النقد. بدلا من ان يدافع عن انسانية البشر من  وحشية ولا انسانية الاديان ، من خرافيتها، ومن ترسيخها لدونية النساء، ومن شروحها البلهاء للظواهر الطبيعية، فانه يطالب اتباعه بعدم المس بالاديان واحترام حريتها.

 

اي نفاق ورياء.

 

ان موقف اوباما كما موقف كل الساسة الاوربيين الحاليين هو موقف انتهازي ويمثل بجدارة الموقع الرجعي السافر الذي تقفه طبقة كانت ( بالامس القريب بعمر التأريخ) الاكثر تقدمية وتمثيلا لمبادئ التحرر الانساني؛ اي الطبقة البرجوازية.

 

ان حرق القرآن او الانجيل او التوراة او اي كتاب او علم او السخرية من اي معتقد او دين او فكرة او مذهب او عقيدة او رمز هو حق من حقوق البشر، يجب ان يضمن هذا الحق للجميع لانه تعبير عن الرأي؛ اعجبك ذلك ام لم يعجبك، وخاصة ان لم يعجبك.

 

ان القوى السياسية الحالية في امريكا تود وكجزء من سياساتها ان تعيد تقديم الاسلام السياسي  وفرضه عالميا. اتى ذلك اثر هزيمة امريكا في العراق وتزعزع نفوذها في العالم. كلام اوباما اذن حول الدين وحرية الدين هو كلام في السياسة وليس في الدين لانه يمثل خط امريكا في استمالة الاسلاميين الموالين لامريكا والدفاع عن ”الاسلام المعتدل“ وفرضه على الملايين. هل يهنم اوباما لكيفية معاملة النساء في العراق، في السعودية، في ايران، في الباكستان من قبل الاسلاميين؟ بالطبع لا يهمه. ان حرية الاديان لديه اهم من الف امرأة تجلد او تقتل او ترجم بالحجارة.

 

اوباما يريد ان يرسخ في اذهان قادة الاسلام السياسي ان لهم مكانة خاصة في تاكتيك امريكا الجديد اثر فشل المحافظين الجدد.  وان ترهات ”ألحرية الدينية“ لا تأتي، مرة اخرى،  من ولعه بالدفاع عن الدستور الامريكي العلماني بل من الدفاع عن الاسلام (المدجن) الاسلام الصديق لامريكا.

 

************

حرية الاديان اذن   يجب ان تفهم بسياق  اليوم لا البارحة، تحت حكم الطبقة البرجوازية اليوم لا قبل 200 سنة. انها بهذا الاعتبار مقولة رجعية لا علاقة لها بتحرر الانسان وحريته في اختيار عقيدته الدينية، بل بالعكس اتها تجعل حرية الانسان رهن بحرية الدين قي فرض الخرافات والممارسات الوحشية  التي ملأت القرن العشرين و اوائل القرن الواحد والعشرين بالدماء الغزيرة؛ دماء مئات الالاف من البشر.

 

اليوم يجب ان نعلن ان الحرية هي من حق البشر لا من حق الاديان. علينا ان نصر على الا حرية للاديان ولا لرجال الاديان، بل ان نطالب بالحرية من الاديان؛ من الخرافات والهلوسات،  من بربرية الممارسات والشعائر الدينية، من التمييز الجنسي للاديان، من انتهاكات الاديان للطفولة وللاطفال، من التفرقة والتناحر الاجتماعي الذي تزرعه الاديان بين صفوف الناس.

لندافع عن حرية البشر من الاديان.