مقابلة نحو الاشتراكية مع عصام شكري حول

الحكومة والمجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية واعلان الحزب الديمقراطي الكردستاني لــ”حق تقرير المصير“

 

 

نحو الاشتراكية:  شكلت الحكومة الحالية من 42 وزارة. ماهو سبب هذا التضخم في عدد الوزارات ؟ هل هناك فعلا حاجة الى ذلك ام ان هناك دوافع معينة وراء ذلك؟

 

عصام شكـــري: الدعاية التابعة للسلطة وقواها تتحدث عما تسميه بالمشاركة والتوافق ومتطلبات الواقع السياسي وغيره. ولكن الحقيقة هو انهم يريدون تغليف المحاصصة الطائفية والاسلامية والقومية والعشائرية التي فرضتها امريكا على مجتمع العراق بتلك المسميات والى اسلمة المجتمع.

 

ان المناصب الوزارية تدفع الكتل الدينية والطائفية والمذهبية والعشائرية الى الصراع من اجل الحوز على المغانم ونهب الموارد لا اكثر ولا اقل. ان الوزارات في العراق هي مواقع لادامة النهب والسلب الرسمي؛ توقيع العقود وقبض العمولات بارقام خيالية وادامة السرقات بمليارات الدنانير وطبعا تعزيز نفوذ ومكانة الميليشيات التي يمثلها الوزراء ( كل وزير يمثل ميليشيا). ولكي لا يزعل احد من تلك القوى ويظطر الى خلق مشاكل (بعضهم ضالع بالارهاب بشكل سافر) فانهم منحوا العديد من الوزارات الاسمية التي لا وظيفة لها من قبيل وزارات الدولة و لا احد يعرف ما ستعمله. 

 

النقطة الاساسية في كذبة ”الواقع العراقي“ و“المشاركة التوافقية“ و"الموازييك" الطائفي الاسلامي القومي هو  لارضاء القوى الميليشياتية التي سلطتها امريكا على الجماهير والمجاميع والعصابات والقوى الدينية والمدعومة من الجمهورية الاسلامية والسعودية.

 

 

نحو الاشتراكية:المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية هي ”الجزرة“ التي لوح بها الامريكان ارضاءا للقوميين العرب وممثلهم اياد علاوي نظير سكوتهم وابتلاعهم لعلقم التخلي عن رئاسة الوزارة لخصمهم الاسلامي الموالي لايران نوري المالكي. كيف تعلق على اهمية ذلك المجلس والسجال الدائر حوله بين كونه استشاري او تنفيذي ام مجلس ديكوري بحت ؟

 

عصام شكــري:مايسمى المجلس الوطني للسياسات هو مجلس كارتوني بلا اهمية ولا وظيفة. استشارة حول ماذا ؟ حول سياسات الدولة ؟ تلك سخافة. ان سياسات الدولة تصنع في طهران وواشنطن وربما الرياض وانقرة وتل ابيب. ايشك احد بذلك ؟ فما معنى المجلس الوطني للسياسات والطوابق العليا في الوزارات وخاصة الداخلية تضم موظفي جهاز اطلاعات الايرانية والمستشارين المدنيين الامريكيين يعطون اوامرهم الى الوزراء ؟. وظيفة تنفيذية كما يطلب القوميون العرب وعلاوي ؟ كيف والوزارات والحكومة نفسها الجهة التنفيذية عاجزة وبلا اي قدرة تنفيذية مع ان تحت يديها اجهزة الشرطة والجيش والمغاوير والامن ؟ ما يسمى المجلس الوطني لا استشاري ولا تنفيذي ولا اهمية له على الاطلاق. كل هذا الكلام هراء ويهدف الى منح صفات الشرعية وفي الواقع ديكور متهالك لحفنة القوميين العرب الذين تنازلت عنهم امريكا في منتصف الطريق.  منحوا هذه الهيئة الوهمية للقائمة العراقية او للقوميين العرب والاسلاميين السنة وبدعم وتمويل دول الاسلام السياسي السني لكي يديم عمله كحجر عثرة بوجه الجمهورية الاسلامية والتحالفات الاسلامية الشيعية الموالية لها في العراق وهو جزء من الصراع القائم بين محور امريكا—الجمهورية الاسلامية داخل العراق.

 بينت في مناسبات اخرى ان اياد علاوي والقوميين العرب اليوم مستائين من هزيمتهم والتي هي برأيي انعكاس مباشر لهزيمة امريكا في العراق. ان منحهم هذا المجلس ليس ”جزرة“ تشجيعهم على المضي في حكومة ما يسمى الشراكة الوطنية بل هو منصب اجوف لحفظ ماء الوجه وليقولوا للشعب بان الديمقراطية في العراق تعمل وهي توافقية بعد ان فازت القائمة العراقية فيما يسمى الانتخابات. برأيي ان القوميين العرب وقائمتهم برئاسة علاوي لن تسكت على هذه الضربة وستستمر باثارة الصراعات وتحت نغمة القوميين العرب الشهيرة ”العراق للعراقيين“ و ”المد الفارسي - المجوسي“ وغيرها كما كان يفعل صدام حسين في صراعه الدموي مع الاسلام السياسي في الثمانينات. سيستمر الصراع بين هؤلاء الرجعيين ونظرائهم الاسلاميين الشيعة القابضين على مقاليد السلطة بدعم الجمهورية الاسلامية ويجرون معهم الاوضاع الى المزيد من الانحدار.

 

نحو الاشتراكية:لننتقل الى كردستان. فكما هو معلوم  أعلن مسعود البارزاني مبدأ حق تقرير المصير اثناء القاء كلمته في مؤتمر حزبهم قبل ايام، تحت ذريعة بأن الظروف قد أصبحت ملائمة لطرح هذا الحق حاليا"! فكيف تقيم ذلك الموقف ؟

 

عصام شكــري:برأيي ان منطلق القوميين الكرد في هذه الدعوة وخاصة الحزب الديمقراطي الكردستاني لا علاقة له بحق تقرير المصير لجماهير كردستان. ان مسعود البرزاني يختبئ خلف الجماهير وحقوقها من اجل ان يساوم على مسألة كركوك ويعيد التلويح باحداث القلاقل القومية و“المناطق المتنازع عليها“ ضد الحكومة المركزية (حكومة الاسلاميين والقوميين العرب) وليوحي لامريكا وايران وبقية الاطراف بان له القدرة على شل وخربطة الاوضاع من اجل منح القوميين الكرد حصة اكبر. مازلت اعتقد ان لا مصلحة للقوميين الكرد في الانفصال ولكن الانفصال هو من مصلحة جماهير كردستان التي ستجد في حال استقلال كردستان عن العراق القدرة على تصفية حساباتها مع حكامها القوميين الكرد ولتناضل من اجل حقوقها التي يدوس عليها القوميون الكرد اليوم وسيتمكنون من تقوية نضالاتهم ضدهم ويتخلصوا ربما من حكمهم الاستبدادي الاوليغاركي العشائري الرجعي.

 

أرى ان ما يسمى ب"حق تقرير المصير" لا ينطبق اليوم على القضية الكردية في العراق. حق تقرير المصير يمكن ان يكون مطلبا لجماهير كردستان ايران او تركيا او سوريا ولكن ليس في العراق. القوميون الكرد في العراق منحوا امتيازات ومكانة نتيجة لخدماتهم للاحتلال الامريكي ووضعوا كنموذج للديمقراطية التي لوحت امريكا بها كنتيجة للحرب المدمرة على العراق ومنحوا المناصب جزاء خدماتهم لامريكا. ولكن الاظطهاد القومي للكرد فلا وجود له في العراق اليوم وليس هناك اظطهاد امة مسيطرة لامة مسيطر عليها. ان وضع جماهير كردستان البائس ليس مبعثه الاظطهاد القومي العربي بل تسلط القوميين الكرد وجرهم لجماهير كردستان الى اتون النار العراقية التي يحرق بها الاسلاميون والبعثيون وتنظيمات القاعدة وبقية القوميين الجماهير في عموم العراق. مسعود البرزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني يريد ان يصعدوا على اكتاف الجماهير التي تريد الابتعاد عن نيران الاسلام السياسي والصراعات القومية والمذهبية لخدمة مصالحهم وصراعاتهم الرجعية حول كركوك وزيادة سهمهم في السلطة الرجعية التي نصبتها امريكا في بغداد.

 

 

نحو الاشتراكية: هل هناك امكانية واقعية وموضوعية، في ظل الاوضاع والظروف السياسية الحالية للعراق والمنطقة والعالم، لتحقيق هذا المبدأ؟ وهل بامكان حزب برجوازي قومي رجعي مثل الحزب الديمقراطي الكردستان ان يدافع عن الحقوق والحريات الانسانية ومن ضمنها هذا الحق؟

 

عصام شكــري:كما بينت فان ما ينادي به مسعود البرزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني ليس له علاقة بحق تقرير المصير لجماهير كردستان بل بالمساومة مع القوى والميليشيات والمجاميع الاسلامية والقومية الاخرى وخاصة تلك في بغداد وكركوك تقع في صلب المسألة. ان حق تقرير المصير ليست سياسة اشتراكية ولو كان في العراق حكومة اشتراكية او علمانية تعتمد على المواطنة المتساوية لجميع المواطنين لما كانت هناك اي حاجة لما يسمى حق تقرير المصير لاي شعب. اذن حق تقرير المصير هو سياسة برجوازية تهدف الى الانفصال من اجل منع الاستبداد القومي من الامة المظطهدة (بكسر الهاء) عن الامة المظطهدة ( بفتح الهاء).

 

حزبنا يطالب باستقلال كردستان لان واقع الصراع اليوم يجعل من كردستان وجماهيره عرضة للنيران وللخنادق القومية والدينية والعشائرية. الاستقلال الذي نطالب نحن به لجماهير كردستان لا علاقة له برأيي بحق تقرير المصير بل بمسألة ابعاد شبح الارهاب والقتل والدم والصراعات الرجعية التي تعم مناطق العراق وابعاد العامل والمرأة والشاب والطفل في كردستان عن تلك الصراعات الوحشية. لم يعد هناك صدام حسين وحزب البعث وليس للقوميين العرب والاسلاميين في سلطة بغداد اليوم القدرة على الاستبداد والبطش بجماهير كردستان لان الدولة متهالكة او معدومة وهم في حالة عجز.

 

نحو الاشتراكية:ما هو موقف الحزب الشيوعي العمالي اليساري العراقي  من الاوضاع الحالية واولوياته ؟

 

عصام شكـــري:الاوضاع مازالت كما هي عليه. لم يتغير شئ. هناك تحسن وانفراج نسبي مبعثه انكشاف امر وانفضاح قوى الاسلام السياسي والقوميين والعشائريين وتراجع امريكا وانسحابها.

 

هناك برأيي استقطابية اجتماعية جديدة في العراق وانقسام المجتمع اليوم هو حول محور الطبقات الاجتماعية المحرومة والمتخومة؛ حول محور الفقر والبطالة والجوع والتقاعد والضمان الاجتماعي والمرض والدواء والكهرباء والماء النظيف وحقوق البشر. هناك تصاعد وتقوية للحركة العمالية. وبتقديري فان احزاب الاسلام السياسي وقوى القوميين والعشائريين قد هزمت في العراق بمعنى الهزيمة الاجتماعية. لقد اصبحوا اليوم في السلطة وان الاسلام السياسي عندما يكون في السلطة يكون مكروها لانه سيسقط شعاراته الاستراتيجية المعروفة ( كلا كلا امريكا) و(يسقط الصليبيون) وغيرها؛ أين هي اليوم؟

 

قوى الاسلام السياسي هي الان قوى السلب والنهب والمغانم واعداء الجماهير بكل الوانهم وميولهم. ارى ان المجتمع فيه ميول معادية للاسلاميين ومنهجهم؛ هناك كره لهذه القوى ومقت. وفي المقابل هناك رغبة وتشوق من اجل التمدن والعلمانية والمساواة والتحرر الاجتماعي. على اكتاف العمال واكتافنا تقع مهمة ووظيفة ملحة وهي تجميع وتعبئة قوى الجماهير حول تلك الاهداف والمسارات الانسانية.الحركة النسوية والمساواتية والعلمانية والحداثية والتمدن هي اليوم بلا ادنى شك بيد الطبقة العاملة وتمثل بدائل الطبقة العاملة. هذا هو المحور الاساسي لتدخل الحزب في المجتمع ومنهجه وهذا هو ما يناضل من اجله. لذا فانني ادعو الجماهير التحررية الى مساندتنا والالتفاف حولنا وحول مطالبنا في الحرية والمساواة والرفاه والتمدن والحداثة والعلمانية وحرية المرأة ومساواتها التامة وحرية الشباب ورفاه وطفولة الاطفال.

 

القوى الحالية افلست واغرقت المجتمع بالدم والوحل وليس ثمة قدرة لها على حل مشاكل المجتمع وان حزبنا هو امل الجماهير بالحرية والمساواة والرفاه والحياة الانسانية الكريمة.