”جيش البروليتاريا“ هل يحرر”الوطن“؟

 

عصام شكــري

 

منذ انحرافه وتبنيه للخط التساومي للمنشقين، صارت القيادة اليمينية ”للحزب الشيوعي العمالي العراقي“ تمرر خطاباتها مغلفة بقشرة ثورية. ان من يقرأ بيانات تلك القيادة بمناسبة الاول من ايار يستغرب التناقض الصارخ بين هذه الراديكالية الانفجارية (جيش بروليتاري!) وبين ما يجري على الارض من مساومات وغزل مع الرجعيين وضرب للشيوعية الراديكالية والتملق لقوى السيناريو الاسود تحت مظلة منظمة لا منهاج اشتراكي لها ولا بروليتاري بل معادي للاشتراكية. كأنهم حين يتحدثون عن "البرجوازية" في بياناتهم فانهم يتكلمون عن قوى خرافية لا اثر لها في المجتمع. فمن جهة يساومون بعض تلك القوى ويتذللون لها ومن جهة يصدرون البيانات الحماسية والاستنكارية ضدها؟؟.

 

ولكن التناقض محض شكلي.

 

ان موقف حزب ريبوار المعلن في الاول من ايار هذا العام حول تشكيل "جيش البروليتاريا" اتضح في اكثر من بيان لاركان تلك القيادة. جميع تلك البيانات تجمع على امور واحدة اساسها الاعلان عن تشكيل ”جيش“ قيادته منظمة جبهوية مع القوميين. ان تبرير هذا الاجراء جاء بان الجماهير لم تعد تحتمل انعدام الامان ويجب ان يحموا انفسهم بانفسهم وان الجيش البروليتاري هو "اداة" تحقيق هذا الهدف. فهل صحيح ان منظمة حرية العراق ستقود جيشاً للتحرير عناصره عمال؟؟

 

ان طرح هذا التيار لما يسمى ” الجيش البروليتاري“ هو طرح ديماغوجي. لا يمكن ايجاد حقيقة هذا الطرح في برنامج عالم افضل بل يجب البحث عنها في منهج هذا الحزب وممارساته السياسية الواقعية. لا علاقة لتشكيل ما يسمى بالجيش البروليتاري بالخلاص من السيناريو الاسود. يجب البحث عن فحوى هذا الطرح في مكان اخر، مكان بامكاننا تتبع مسار الحركة السياسية الحقيقية لهذا التيار فيه؛ أي المجتمع.

 

بات معروفاً على صعيد سياسي ان الممارسة النظرية والسياسية العملية لذلك التيار قد تراجعت عن البرنامج الشيوعي العمالي ”عالم افضل“ ونبذته ان من خلال وصف الثورة بالخشونة (وهو ما انتقده نفس برنامج الشيوعية العمالية في فقرة ” الثورة البروليتارية والحكومة العمالية“ و ” الثورة والاصلاحات“)، او من خلال تراجعها عن هدف تحقيق الاشتراكية على اساس ان الاخيرة غير ممكنة في الوقت الراهن لوجود ظروف السيناريو الاسود والاحتلال الامريكي.

 

ان منهج المساومة البديل الذي اعتمدته قيادة حزب ريبوار مع القوميين والدخول في جبهات مشتركة معهم لا يمكن ان تنقلب بين ليلة وضحاها لتكون ثورية فقط حين يتعلق الامر بتشكيل ميليشيا. ان لما يدعيه هذا التيار علاقة باستثمار البروليتاريا والجماهير لامرار ودعم الخط السياسي التساومي لهم ممثلا في منظمة حرية العراق. يراد للبروليتاريا  ان تكون غطاء لمنظمة لــ"تحرير العراق" لا تحرير الطبقة العاملة.. ان تلك المنظمة تنوي كسب مصداقية جماهيرية بامس الحاجة لها.

 

ان عملية تشكيل ميليشيا او تسليح الجماهير يجب ان تتم من خلال تعبئة الجماهير حول هدف الاشتراكية والقضاء على الراسمالية والنضال على هذا الاساس لتحقيق مهمات عاجلة امام الطبقة العاملة كالتحول الى قوة في المناطق او الى تسليحها وتحولها الى بديل. الا ان ما يتم اليوم هو نفس منهج الحصول على القوة من الاعلى والتي طبقها التيار اليميني لحد الان - أي منهج الوصول الى السلطة عن طريق البرجوازية لا الجماهير. وقد اثبت الواقع فشل المنهج التساومي وانفضاح امره حين وضحت ردود افعال القوى القومية الكردية والعربية (جواب الاتحاد الوطني على رسالة ريبوار احمد التي اعلن فيها وقف اطلاق النار ”من جانب واحد“ كان في ممارسة القمع السياسي ضد كوادره بينما رفض القوميون العرب اقتراحات منظمة حرية العراق للدخول في قوائم انتخابية مشتركة). السؤال هنا هو اذا ما عجزت تلك القيادة عن كسب القوة من الجماهير لمنهجها اليميني فكيف لها ان تعتمد على قوة الجماهير المسلحة؟ اذا لم يكن لديك جماهير منظمة فمن ستسلح؟ حتى لو كان السبب ” تحرير الوطن“ ؟!! . عمليا لا يمكن تحقيق ذلك الا بنفس المنهج البرجوازي في التسليح أي تشكيل ميليشيات مدفوعة الاجر.

 

ان الاستنتاج النهائي هو ان ذلك التيار وبتأسيسه لـــ“ جيش البروليتاريا“ المزعوم  يقوم بـــ: 1) تأسيس ميليشيا عسكرية لمنظمة حرية العراق و؛2) الايحاء بان هذه الميليشيا تنتمي الى الجماهير لا الى معسكر السيناريو الاسود لغرض اكساب قوة للمنظمة من خارجها . ان حزب ريبوار احمد  يتصور انه بالدعوة الى تشكيل تلك الميليشيا فسيعزز ولو دعائيا موقعية المنظمة الجبهوية تفاوضيا ازاء بقية قوى وميليشيات السيناريو الاسود. يبدو لي ان القوى التي اجتمعوا بها لعمل جبهات قد لاحظت الغياب الواضح لاية قدرة اجتماعية لهم.

 

ان قيادة التيار اليميني تعتبر الثورة خشونة والاشتراكية بعيدة ومؤجلة (وربما ملغية) وهي تناضل اليوم مع قوى السيناريو الاسود للاعتراف بها كقوة معارضة شرعية. ان كل حديث عن تسليح وميليشيا وجيوش مجرد ذر للرماد في العيون وان وضعوا مئة كلمة بروليتاريا خلفها او امامها. ان تشكيل ميليشيا عسكرية دون مجالسية عمالية او جماهيرية او منهج سياسي ثوري لا يمكن ان يكون منطلقا الا من نفس  المواقع السياسية التساومية التي تموضع فيها التيار اليميني لحد الان واصبحت منذئذ منهجاًً راسخاً له.