حرب اسرائيل ضد جماهير لبنان

تقوي الاسلام السياسي والرجعية في المنطقة

 

عصام شكــري

 

تشن اسرائيل منذ قرابة الشهر حملة قتل جماعي ضد المدنيين العزل في لبنان. تقوم قوات تلك الدولة بقصف المناطق السكنية وتدمير المدن والقرى والجسور والخدمات والبنى التحتية وكل شبكات الكهرباء والاتصال مقطعة اوصال هذا البلد بوحشية لا مثيل لها. وتقوم قوات تلك الدولة بقتل الالاف من المدنيين اللبنانيين بحجة ضرب ميليشيات حزب الله ومهاجمة قواعده وهي تبرر مجازرها تلك بانها "اضرار جانبية" تماماً كما قتلت وتقتل القوات الامريكية المدنيين العزل في العراق. ان حرب اسرائيل ضد جماهير لبنان هي قتل جماعي ضد الابرياء وهي جريمة كبرى تضاف الى سجل دولة اسرائيل الدموي وقمعها المستمر لجماهير فلسطين على مدى سنين طويلة وتحويلها لشعب باكمله الى لاجئين يعيشون في المخيمات وفي ظروف لا انسانية.

 

لن تؤدي حملة القتل الجماعي التي تقوم بها دولة اسرائيل ضد جماهير لبنان الى اضعاف حزب الله  وقوى الاسلام السياسي الاخرى في المنطقة كما يروج  زعماء اسرائيل وامريكا بل الى تقوية نفوذهم بشكل اكبر بكثير مما يخطط  له حتى حزب الله نفسه.

 

وبغض النظر عن مصداقية استطلاعات الرأي التي اجريت في لبنان مؤخراً حول نفوذ حزب الله وتصويت 87% من المستفتين الى جانب هذه الميليشيا الاسلامية فان المؤشرات كثيرة الى ان حرب اسرائيل تقوي بالفعل من نفوذ الاسلام السياسي والرجعية الاجتماعية والسياسية في لبنان وعموم منطقة الشرق الاوسط وتزيد من قوة الحركات الاسلامية التي تعتاش على ”معاداة الصهيونية“ وتتزود بذخيرتها الايديولوجية من "قتل اليهود" و“تدمير الكيان الصهيوني" و" محو اسرائيل من الخارطة" كما تعتاش الفاشية الاسرائيلية على معاداة العرب وكراهيتهم العنصرية.

 

ان ساسة دولة اسرائيل وجنرالاتها الذين يجب تقديمهم الى المحاكمة على ما ارتكبوه ويرتكبونه من جرائم قتل جماعية ضد الجماهير في لبنان، يعلمون علم اليقين بانهم بحملتهم الاجرامية هذه فانما يقوموا بمترسة حزب الله اكثر في قلب مجتمع متمدن هو المجتمع اللبناني بعد ان كان نفوذه في تراجع ابان الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000 والافلاس التدريجي، وان البطئ، لتلك الحركة من " تحرير الجنوب" بل واضطرارها الى التحالف السياسي التاكتيكي مع قوى سياسية كانت بالامس القريب من اشد اعدائها ومن اكثرها استهتارا بحياة الجماهير في لبنان ابان انتهاء الحرب الاهلية اوائل التسعينات. ذلك التحالف دليل على عدم قدرة الاسلام السياسي على تنفيذ مشاريعه السياسية بمفرده وبدء انفضاض الجماهير عنه!. جاءت اسرائيل اليوم لتقدم له خدمة مجانية بحربها الاجرامية ضد الجماهير العزلاء في لبنان!

 

لقد ادت مجازر اسرائيل ضد الجماهير في لبنان الى احلال اليأس والقنوط والحنق والغضب بين جماهير لبنان و“هروبهم الى الامام“ في احضان حزب مغرق في الرجعية ومعاداة العلمانية والتمدن مثل حزب الله واختيارهم هذا البديل.  تلك ان هي الا حصيلة مؤكدة لهذه الحرب الرجعية على جماهير لبنان والمنطقة وأثر من آثارها.

 

ان اليأس وانعدام الامل ورؤية الاهل والاقارب والاحباب وهم يذبحون بكل وحشية بقنابل الطائرات الاسرائيلية ويسحبون سحبا من تحت الانقاض وقد علتهم الدماء والاتربة ورؤية الاطفال الرضع مقطعي الاوصال والدمار في كل مكان يدفع البشر الى اليأس. وبانعدام اي بدائل سياسية تحررية في لبنان يؤدي الى سحب الناس لاول سلاح تقع عليه ايديهم والانخراط مع تلك الحركة في "مقاومة العدو الصهيوني". وبطبيعة الحال فان مقاومة العدو هنا تعني "الارتماء في احضان الطرف الاخر" وتبني ايديلوجيته الدينية االقائمة على عنصرية مضادة لا على بديل انساني او تحرري مساواتي او علماني.

 

ان حزب الله وغيره من الميليشيات الاسلامية في منطقة الشرق الاوسط قد انتعشت بعد هذه الحرب المدمرة وصار لها المزيد من النفوذ السياسي والاجتماعي.  كما ان حلفاء تلك الحركات في الجمهورية الاسلامية في ايران والنظام السوري القومي قد وجدوا ضالتهم في هجوم اسرائيل الذي انقذهم من انحسار النفوذ والتقوقع والتهميش والافلاس ازاء الجماهير في بلدانهم وصار بامكانهم من جديد ”نفش“ ريشهم بوجه الجماهير اليائسة من قتامة الاوضاع.

 

ان المتابع لحركة حزب الله يعرف ان له نفوذ قوي في لبنان. الا ان هذا النفوذ لم يتأتى من المكانة التحررية والبديل الانساني لهذا التيار او من برنامجه التقدمي والمعادي لاستغلال البشر وخاصة استغلال العمال وانتهاك حقوق النساء والشباب واغراق عقولهم بالخرافات الطائفية والتمييزية بل من احلال نفسه عسكرياً وبمعونة الجمهورية الاسلامية في ايران كبديل للقوى القومية البائدة في لبنان والمنطقة ورفع شعارات تلك الحركة كــ ”تحرير الجنوب“ و ”تحرير فلسطين من الصهاينة الغاصبين“ و“محو اسرائيل من الخريطة“ واستطاع فقط من خلال تلك السياسة الاستمرار ولعب دور سياسي. ان حزب الله  و حماس هما حركتان رجعيتان تبغيان تقسيم المجتمع اللبناني والفلسطيني على اسس طائفية ودينية واقامة حكومات اسلامية ببرامج رجعية تجيب على متطلبات تراكم الرأسمال في المنطقة وتستمر بمسك مقود البرجوازية ولكي تبرهن للغرب ودوله بانها وريئة "شرعية" لحركة القومية العربية وخادمة مقتدرة لمصالحهم وبامكانها ونتيجة لرجعيتها المفرطة محاربة (وبدعم شعبي أيضاً!!) الشيوعية و قوى العمال والاشتراكيين والعلمانية والحركة النسوية ومجمل الحركات الاعتراضية المساواتية في المجتمع.

 

اما القوى القومية التي تدعي اليسارية في الغرب فتقف موقفا رجعيا، وكعادتها، من الصراع الجاري ومن اجرام دولة اسرائيل ومن الاسلام السياسي. ذلك يتضح في مواقف ”تقليدية“ رجعية لليسار القومي الاوربي والامريكي ”المعادي للامبريالية“ ( ومعهم اطياف من اليسار القومي العربي) والداعم للبرجوازيات ”الوطنية“ وقوى الاسلام السياسي المحلية حتى ولو قصفت الاخيرة شعوبها بالاسلحة الكيمياوية او اغرقتهم في وحول الدين والدم والرجعية. ان ممثلي هذه التيارات القومية وشخصياتها من قبيل جورج غالاوي وطارق علي وروبرت فسك في بريطانيا ونعوم تشومسكي في امريكا وغيرهم من "اعداء الامبريالية" واصدقاء الاسلاميين والعروبيين لا يضيرهم قط قمع واستبداد وحرمان جماهير الدول الخاضعة للاسلام السياسي والحركة القومية على يد تلك الحركات قدر ما يهمهم الدفع باجندتهم السياسية بوجه حكوماتهم الغربية وتبرير موقفهم المعادي للاشتراكية في تلك المجتمعات. انهم يجدون فيما يجري اليوم فرصة مواتية لتجديد مواقعهم واجترار مقولاتهم حول الشرق الاوسط الجديد والامبريالية الامريكية دون ان يمتلكوا ذرة من الشجاعة والحقانية او حتى النزاهة لكي يتحدثوا للناس عن بدائل المجتمع اللبناني او العراقي او الايراني بوجود قوى من شاكلة حزب الله او صدام حسين او النظام الاسلامي الايراني او الميليشيات الاسلامية الارهابية في العراق وما قعلته تلك القوى بقوى التحرر والاشتراكية في تلك الدول او حتى نقدها ولو بشكل هزيل لبرامجهم. كلا طبعاً. فذلك لا يهمهم! ولا تهمهم حرية البشر وتحررهم سواء في دولهم ام في الدول المنكوبة بالرجعية والاسلام السياسي. ان اكثر ما يثير اهتمامهم هو تصفية حساباتهم بشكل مواتي مع "امبريالية" حكوماتهم الغربية والاستمرار في لعب دور ”المعارضة المثقفة“ الناقدة في تلك المجتمعات. ربما  كــ ”انتلجنسيا“ في اوساط الجامعات و المؤسسات الفكرية الغربية او كسياسيين دائمي الظهور واثارة الزوابع السياسية في فضائيات وجرائد دولهم. مواقف هؤلاء رجعية ولا تختلف عن مواقف حكومات الغرب نفسها من اسرائيل واعتداءاتها الا في الاتجاه وليس في المحتوى. انها تصب في خانة الدعاية والدعم لقوى الاسلام السياسي والرجعية العربية ضد جماهير تلك الدول وتفضلها لهم على ”امبريالية امريكا والغرب“.

 

ان رفضنا لحرب دولة اسرائيل على جماهير لبنان لا يستمد معناه من شعار القوميين في"العداء للامبريالية والصهيونية" بل من تشخيصنا في ان هذه الحرب معادية لمصالح الجماهير وعقبة خطيرة بوجه نضالها من اجل نيل حقوقها كاملة. ان هذه الحرب تقوض نضال القوى العلمانية والمساواتية والتحررية والعمالية والشيوعية في المجتمع وبدلا من ذلك تصب الماء في طاحونة الاسلام السياسي وتزيد من انعدام الحقوق والحريات والمساواة. القوى الاسلامية تجد في تلك الحرب الدموية اخصب تربة لها لتنمو مجددا وتجند المزيد من الشباب وتدفع باجندتها السياسية والاجتماعية مجددا الى الامام. نحن ننظر الى الايقاف الفوري لنزيف الابرياء والاطفال وندعو الى الوقف الفوري للحرب على هذا الاعتبار ايضاً.

 

نقف في الحزب الشيوعي العمالي اليساري العراقي بحزم ضد هذا القتل الجماعي الاجرامي ونعتبره ليس جريمة ضد البشرية فحسب بل حرب ضد آمال الجماهير ورغبتها بالتحرر من قوى الارهاب على طرفي الصراع. انها ستؤدي حتماً الى كبح مسار العلمانية والتحرر وسائر محبي الحرية والمعتقدين بضرورة عالم افضل حر ومتساو والحركة الشيوعية لانها تقف بالضد تماماً من العمال والحركة النسوية والشبابية والمساواتية. ستدفع تلك الحرب المجتمعات في المنطقة الى المزيد من القنوط واليأس وتراجع مصالح اغلبية الجماهير المحرومة ودخول المجتمع في نفق مظلم.

 

نقف لهذه الاسباب ضد هذه الحرب وندعو الجماهير وكل منظمات الانسانية الى العمل على التنديد بها بكل الوسائل المتاحة لوقف هذا النزيف البشري ولقطع دابر تصاعد نفوذ القوى الرجعية المعادية للجماهير ليس في لبنان فحسب بل وفي العراق وفلسطين وايران وسوريا وتركيا وافغانستان وعموم المنطقة.

 

يجب النضال من اجل ايقاف هذه الحرب فوراً.