مؤسسة الدولة، جهاز للعنف الطبقي المنظم، وليس للنشاط الحزبي الضيق!

على هامش مقررات الكنفرانس الأول لما يسمى بالحزب الحكمتي

 

جليل شهباز

gelil@arcor.de

 

كما هو معلوم ظهرت الدولة تاريخيا" عندما أصبح حل التناقضات الاجتماعية بالنسبة لمختلف أعضاء التجمعات البشرية المنظمة في المشاعات والقبائل البدائية أمرا" مستعصيا" فظهرت الحاجة إلى جهاز إداري يبدو ظاهريا" أنه فوق المجتمع للقيام بتلك المهمة. كان ذلك الجهاز هو الدولة، في حين كان الشرط الموضوعي لولادة وتطور تلك الظاهرة ظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والمنتوج الاجتماعي بالإضافة إلى تقسيم المجتمع إلى طبقات اجتماعية ذات مصالح اقتصادية مختلفة ومناقضة لبعضها البعض كنتيجة مباشرة لذلك النظام في الملكية. ولما كان عجز الجهود الفردية داخل تلك التجمعات عن فض مختلف المنازعات الناشئة من اختلاف تلك المصالح الاقتصادية، يولد دوما" العنف الاجتماعي والمصادمات الاجتماعية التي تهدد تلك المصالح فكان لابد من تدخل ذلك الجهاز بالقوة والعنف لفض تلك المنازعات وبالتالي الحفاظ على النسيج الاجتماعي في إطار قوانين حركة النظام الاجتماعي السائد. وعلى أثر ذلك فقد اكتسبت الدولة الصفة اللاطبقية ظاهرياً لأن الطبقات المالكة قد أضفت تلك الخاصية على مؤسسة الدولة لتلقى القبول الاجتماعي من السكان ومن ثم لتغطية المضمون الطبقي لوظائف الدولة. ولكن الحقيقة كانت غير ذلك تماما". حيث أن الخاصية الطبقية لتركيبة الدولة تشكل قاسما" مشتركا" في كل الأنظمة والتشكيلات الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت تاريخيا" على أساس الملكية الخاصة. ولذلك فإن الوظائف السياسية والاجتماعية لدولة مالكي العبيد في روما القديمة لا تختلف من حيث الجوهر عن الوظائف والمهمات التي قامت بها دولة القنانة في العهود المظلمة في أوربا أو نمط الانتاج الآسيوي في نفس تلك الفترة، ولا عن الدولة البرجوازية القائمة على نظام العبودية المأجورة في عهد الرأسمالية. كما ويجب أن لا نتوهم بخصوص وظائف الدولة حتى في عهد الاشتراكية، القائمة على أساس الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج، فهي نفس المهمات المذكورة أيضا". من المؤكد أن الشكل السياسي لوجود الدولة كان يختلف باختلاف القانون الاقتصادي لحركة المجتمع والذي يتبعها بالضرورة اختلاف في النظام الاجتماعي والاقتصادي، إلا أن الدولة كانت من الناحية التاريخية تقوم بإنجاز نفس الوظائف الاجتماعية، حيث أن الطبقات الاجتماعية السائدة اقتصاديا" كانت تحتكر دائما"، بحكم موقعها الاقتصادي داخل المجتمع، وبحكم حاجتها الماسة لتنظيم إدارة المجتمع وضبط تناقضاتها وفق المصالح الاقتصادية للطبقات السائدة، جهاز الدولة بما يتناسب مع تعزيز سيطرتها الطبقية على المجتمع وبالتالي لتأمين إزالة كل الموانع السياسية والاجتماعية التي تهدد موقعها الطبقي في علاقات الانتاج ومصالحها الاقتصادية داخل المجتمع.

 

وإذا أخذنا المحتوى الطبقي لتركيبة الدولة ووظائفها السياسية والاجتماعية بنظر الاعتبار وفق ما هو وارد أعلاه فلا شك أنها تناقض بصورة كلية مع مفهوم الدولة لدى ما يسمى بالحزب الحكمتي!. لأن النقطة السابعة من مقررات الكنفرانس الأول للحزب المذكور تؤكد على ذلك حيث أنها جاءت بالصيغة التالية: (إن النتيجة المباشرة للثورة المنتصرة والامساك بالسلطة السياسية من قبل الشيوعية العمالية، هو الإعلان الفوري للجمهورية الاشتراكية وتنظيم الدولة، دولة الحزب الشيوعي العمالي،...) خط التأكيد مني. فيا ترى أية صيغة من الصيغتين المذكورتين تصب في مجرى اشتراكية ماركس؟.

 

على الرغم من أن وثيقة مقررات ذلك الكونفرانس مليئة بالمفاهيم والمبادئ السياسية المبتذلة والغير ماركسية ولكن ما يهمنا حاليا" من تلك المفاهيم هي مقولة الدولة من منظور ذلك الحزب.  يبدو واضحا" أن مؤسسة الدولة من منظورهم وحسب ما هو وارد أعلاه منسوبة إلى الحزب السياسي وليست إلى الطبقة الاجتماعية! فيا ترى هل أن مؤسسة الدولة في عهد الاشتراكية تخص فعلا" الحزب السياسي حتى ولو كان ذلك الحزب هو حزب الطليعة وحزب الطبقة الظافرة؟ كلا! إن جهاز الدولة يخص الطبقة الاجتماعية الظافرة لأن الطبقة العاملة من دونها سوف لا تستطيع أن تفرض سيطرتها الطبقية على المجتمع ولا تستطيع مقاومة البرجوازية التي تتضاعف قوتها عشرات المرات بسبب فقدانها لفردوسها المتمثل بنظام العمل المأجور ومحاولاتها المستميتة استعادة سيطرتها الطبقية في جميع ميادين الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. ولهذا السبب يستوجب على الطبقة العاملة فور استيلائها على السلطة السياسية أن تبادر فورا" الى بناء دولتها الطبقية، على أنقاض الدولة البرجوازية التي ستحطمها الثورة الاشتراكية لتكون بالنسبة لها بمثابة نوع خاص من تنظيم القوة، أي تنظيم عنفها الطبقي المنظم بغية قمع بقية القوى الاجتماعية والسياسية التي ستنازعها على السلطة بالعنف حتى فترة طويلة من نجاح الثورة الاشتراكية. وبعكس ذلك، أي إذا لم تبادر الطبقة الظافرة فورا" في تشكيل مثل ذلك الجهاز المنظم للعنف فإن الطبقة العاملة سوف لن تستطيع الاحتفاظ بالسلطة السياسية حتى ولو لمدة يوم واحد فقط. وبهذا الصدد يقول لينين ( تبادر البروليتاريا إلى تشكيل الدولة الاشتراكية بعد انتصار الثورة الاشتراكية لتكون بمثابة جهاز الثورة العمالية لإدارة المجتمع ) لينين ـ الدولة والثورة ص30 م7. لذلك فإن الطبقة العاملة بحاجة إلى جهاز الدولة لأنها تمثل بالنسبة لها مؤسسة تساعدها في تنظيم نفسها كطبقة سائدة داخل المجتمع وبالتالي ستساعدها في حماية نظامها الاجتماعي والإنتاجي الجديدين، ثم يستحيل من دونها استمرار الثورة الاجتماعية حتى تشمل الميدان الاقتصادي وبالتالي تحقيق التحولات الاشتراكية وشيوع الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج الاشتراكية لتكونا سوية بمثابة الأساس الاقتصادي والمادي للمجتمع الشيوعي وبهذا الخصوص يقول ماركس: (بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي تقع مرحلة تحول المجتمع الرأسمالي تحولا" ثوريا" إلى المجتمع الشيوعي. وتناسبها مرحلة انتقال سياسية أيضا"، لا يمكن أن تكون الدولة فيها سوى الدكتاتورية الثورية للبروليتاريا) ماركس- نقد برنامج غوتا ص235.

إذا" فإن المفهوم الماركسي حول المحتوى الطبقي لشكل الدولة قد أصبح واضحا" وليس هذا فقط، بل ومهما يحاول أنصار الفكر الماركسي المبتذل حول الدولة فسوف لن يجدوا في كل الأدب السياسي الماركسي ولا حتى إشارة واحدة، لا عند ماركس او أنجلس ولا عند لينين اومنصور حكمت، تشاطرهم في مسألة انتساب الدولة للحزب السياسي.

وربما يقول أنصار ذلك المفهوم المبتذل بأن أهداف الحزب تتطابق مع الأهداف النهائية والعمومية للطبقة ولذلك فلا تختلف قضية انتساب الدولة سواء ألحقت بالطبقة أم بالحزب!. من الناحية المبدئية صحيح أن أهداف الحزب الماركسي يجب أن تتطابق مع أهداف الطبقة العاملة وقضيتهم التاريخية الكبرى ولكن ذلك لا يعني أن الحزب يجب أن يكون بديلا" عن الطبقة في هذه المسألة المهمة تحت أي ظرف كان ومهما كانت المبررات والمسميات لأن وظائف الدولة تختلف بصورة كلية عن وظائف الحزب فإذا كان الحزب الماركسي قبل الإطاحة بالبرجوازية يشكل الأداة النضالية بيد الطبقة العاملة بغية تنظيم وقيادة الثورة الاجتماعية لتحطيم النظام البرجوازي والاستيلاء على السلطة السياسية،  فإن هذا لا يعني أن الحزب يجب أن يحل محل الطبقة لتقوم بمهماتها ووظائفها السياسية والاجتماعية بعد سقوط النظام البرجوازي واستلام الطبقة العاملة للسلطة السياسية. ذلك لأن الحزب ليس الإطار السياسي المناسب لسلطة الطبقة العاملة فإذا كانت الديمقراطية البرجوازية والبرلمان هو الشكل السياسي للوجود الاقتصادي والاجتماعي لرأس المال، فإن الديمقراطية البروليتارية والمجالس هو الشكل والإطار السياسي المناسبين لسلطة الطبقة العاملة ووجودها الاجتماعي ولذلك فإن دور الحزب الطليعي وآليات عملها في هذه المرحلة من تطور الثورة الاشتراكية سوف لن تتجاوز العمل التوجيهي والتربوي بالإضافة إلى تقييم سياسات الدولة واتجاهات حركتها وأداء عملها داخل المجتمع وفي نفس الوقت فإن هذا لا يعني أيضا" قبول بقاء الحزب خارج مؤسسات الدولة، بل يجب أن يحتل الموقع القيادي داخل تلك المؤسسات أسوة بنفس الموقع الذي تحتله الأحزاب البرجوازية في النظام الديمقراطي والبرلماني. وفي كل الأحوال يجب أن تجسد الدولة الاشتراكية السلطة السياسية للطبقة العاملة المنظمة في المجالس، وليس لسلطة الحزب كما يطرحه الحزب الحكمتي، لأن من دونها يستحيل قمع مقاومة البرجوازية ومحاولاتها في استعادة سلطتها ونظامها الاجتماعي، وكذلك من دونها يستحيل قيادة التحولات الاشتراكية داخل المجتمع نحو المجتمع الشيوعي الخالي من الفوارق الطبقية والتي تضمحل فيها الدولة أيضا" لأن ( السلطة السياسية بالمعنى الصحيح هي السلطة المنظمة لطبقة من أجل اضطهاد طبقة أخرى) البيان الشيوعي -ماركس وأنجلس ص 73.

فإذا كانت مسألة الدولة بالنسبة للطبقة العاملة هي بهذه الصورة، فماذا يعني طرح مفهوم الدولة الاشتراكية على أنها دولة الحزب الشيوعي العمالي، كالذي طرحه ما يسمى بالحزب الحكمتي؟.

أظن انه بات واضحا" بأن مفهوم الدولة، على ضوء ما هو موجود في الأدب الماركسي، وعندما يتم طرحه بهذا الشكل المبتذل والغير ماركسي من قبل حزب سياسي يدعي بالماركسية والنضال من أجل إقامة المجتمع الاشتراكي فإن ذلك يعني إما أن ذلك الحزب يجهل ألف باء الماركسية حول المحتوى الطبقي للدولة وبالتالي يجهل ماهية الوظائف السياسية والاجتماعية التي ينبغي أن تقوم بها الدولة بعد الإطاحة يالسلطة البرجوازية واستلام السلطة من قبل العمال وهذه، بحد ذاتها مصيبة!. وإما أن ذلك الحزب يسعى بشكل منهجي ومخطط لركوب موجة النضال الطبقي للعامل ويتستر خلف عملية الثورة الاجتماعية الهادفة إلى دحر النظام الاجتماعي البرجوازي وإقامة المجتمع الاشتراكي، بغية تحقيق دكتاتورية الحزب، وهذا ما يجسده تاريخيا" الحقبة الستالينية ومختلف القوى والأنظمة الدائرة في فلكها داخل الحركة الشيوعية العالمية، والمصيبة في هذه الحالة أكبر!!.  ألمهم هنا هو أن كلتا الحالتين، أي سواء كان طرح ذلك المفهوم المبتذل بشكل متعمد أو غير متعمد فأنهما يدلان على إن التطلع نحو الدولة بهذه الصورة ستكون ضربة قاصمة للنضال الطبقي للعامل وعلى أن لعابهم يسيل من الآن للمناصب المغرية وكراسي الحكم والتسلط أسوة" بكل الأنظمة  الاستبدادية التي تظهر تحت غطاء اشتراكية ماركس. وفي التحليل الأخير فإن كلا الحالتين لا يمتان بأية صلة لا باشتراكية ماركس والخط الثوري لمنصور حكمت ولا بالمصالح العمومية والنهائية للطبقة العاملة والنزعة الاجتماعية من أجل الحرية والمساواة والعالم الأفضل.

13 تشرين الثاني 2004