إلى متى، التهديدات والغطرسة الأمريكية؟

 

  جليل شهباز

gelil@arcor.de  

 

تتصاعد هذه الأيام اللهجة المعادية لإيران وسورية على لسان أرفع المسؤولين في الإدارة الأمريكية والحكومة العراقية. ولم تتوقف المسألة عند هذا الحد بل وصلت تلك الحملة الهستيرية حدا" جذب إليها حتى الرئيس بوش شخصيا" ليطلق التهديدات والاتهامات ضد هاتين الدولتين.

إن ما يثير الاهتمام هنا هو تزامن تلك الحملة مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات من جهة وتصاعد العمليات الإرهابية والأعمال العسكرية ضد القوات الأمريكية من جهة أخرى. فما هو المغزى السياسي لتلك الحملة المضادة لإيران وسورية؟.

كما هو معلوم إن الحرب الأمريكية المزعومة ضد الإرهاب الإسلامي في المنطقة قد بدأت بعد هجمات 11 سبتمبر على نيويورك وواشنطن، وكما هو معلوم أيضا" لم يكن الهدف من تلك الحرب المزعومة محاربة الإرهاب على الإطلاق بل، كان من أجل فرض الهيمنة الأمريكية على العالم بأجمعه بغية إخضاع كل شرايين الحياة الاقتصادية في العالم لمتطلبات توسيع تراكم الرأسمال الاحتكاري الأمريكي واستمرارية حركته. وبطبيعة الحال إن تحقيق فرض الهيمنة على الصعيد العالمي وفق ذلك المفهوم إذا تحقق لها النجاح لا يمكن أن يتم بسهولة وسوف لا ترى النور إلا عبر عملية سياسية وعسكرية في غاية التعقيد تتطلب تغيير العديد من الأنظمة السياسية وتحجيم أنظمة أخرى بالإضافة إلى ترويض البعض الآخر، ملخص الكلام إن تنفيذ المخططات الأمريكية ومشاريعها السياسية والاقتصادية تتطلب تغيير كل المعادلات والموازين السياسية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة والعالم ولربما حتى تغيير الجغرافية السياسية للكثير من مناطق العالم أيضا".. وبالمقابل إن مختلف الأنظمة والقوى والحركات السياسية المعرضة للتغيير أو المجبرة  للخضوع للإرادة السياسية الأمريكية سوف لا ترضخ لتلك الإرادة بسهولة، لا وبل إن الكثير من تلك الأنظمة والقوى والحركات سوف يبدون مقاومة عنيدة حتى آخر نفس للحفاظ على كياناتها ووجودها السياسي والاجتماعي. ومما لا شك فيه إن الأوضاع السياسية والاجتماعية التي ستدور فيه الصراعات والتناحرات بين أمريكا ومختلف القوى والحركات والأنظمة المعارضة للمخططات الأمريكية سوف يحول حياة ومعيشة مئات الملايين من البشر إلى جحيم لا يطاق في مختلف  انحاء العالم وهذا ما حصل بالضبط في العراق حيث أن النظام البعثي الفاشي قد حاول بكل السبل وحتى آخر نفس الدفاع عن كيانه السياسي والاجتماعي وكانت نتيجة ذلك الصراع الدامي ضريبة قاسية وغالية جدا" دفعتها جماهير العراق. أما بعد سقوط النظام البعثي الفاشي فكانت الضريبة أغلى وأقسى لأن أمريكا فرضت سيناريو أسود على جماهير العراق فسلبت إرادتهم وتحولت أماكن معيشتهم وعملهم إلى ساحات حرب لتصفية الحسابات السياسية بين مختلف القوى والحركات السياسية وبات مستقبلهم ومستقبل أبنائهم في حكم المجهول وأصبح الأمن والاستقرار والتمتع بأبسط الحقوق في دائرة المستحيل.

وبعد أن اصطدم المخطط الأمريكي، برفض جماهير العراق، وتصاعد وتيرة المواجهات الدموية القاسية مع بعض القوى السياسية الإسلامية الإرهابية وبقايا فلول النظام البعثي الذين يشكلون الوجه الآخر للسيناريو الأسود، وقعت أمريكا في مأزق لا مخرج منها وأصبح مشروعها السياسي على كف عفريت، فلم تجد أمامها غير تنظيم الانتخابات في العراق بأسرع وقت ممكن لإضفاء الشرعية الجماهيرية على ذلك المزيج السياسي المائع والعفن والمجرد من النزعة الإنسانية، من الذين يديرون دفة الحكم حاليا" في العراق، وأقرانهم خارج هرم السلطة، الذين ينافسونهم على السلطة السياسية في العراق. وذلك لتأمين بقاء سيادة الرجعية السياسية على المجتمع العراقي وبالتالي إمكانية قيادة المجتمع، وفق ضرورات المشروع السياسي الأمريكي والغطرسة الأمريكية الهادفة إلى النفوذ والهيمنة العالميتين وبالإضافة إلى ذلك أنهم يتوقعون بأن وجود حكومة منتخبة على كرسي السلطة في العراق من شأنها أن تخفف الضغط السياسي والهجمات العسكرية على الوجود السياسي والعسكري الأمريكي في العراق وهذا من شأنه أن يساعدهم على تنفيذ بقية حلقات مخططهم السياسي.

وبطبيعة الحال فإن القوى والأنظمة المستهدفة بالتغيير تعلم جيدا" بأن المواجهة المباشرة مع أمريكا ستبدأ عاجلا" أم آجلا"، إذا ما تمكنت أمريكا من السيطرة على الوضع في العراق وإخضاع كل المقدرات السياسية والمادية في هذا البلد لإرادتها، وعلى هذا الأساس فإن تدخل، كل القوى والأنظمة المستهدفة أمريكيا" في مختلف أرجاء العالم عموما" والدول المجاورة للعراق خصوصا"، في شؤون العراق الداخلية لم يكن مفاجئا" لأحد وكان طبيعيا" على ضوء تلك المتغيرات والمخططات الأمريكية الشريرة بأن يبذلون كل ما في وسعهم لإفشال أي جهد أمريكي في العراق.. في حين إن أقرب الأنظمة السياسية المستهدفة والمشمولة بالتغيير كانتا إيران وسورية، ذلك لأن هاتين الدولتين بحكم موقعهما ومصالحهما الاقتصادية وطبيعة نظاميهما السياسيتين في المنطقة وفي ظل الأوضاع الحالية للعراق وعموم المنطقة تشكلان عقبة في طريق تنفيذ المشروع السياسي الأمريكي وفي نفس الوقت أن الهيمنة السياسية الأمريكية على العالم وكما أشرنا إليها تتطلب وجود أنظمة سياسية مروضة وخاضعة لإرادتها السياسية بشكل مطلق، ولذلك كان أمرا" متوقعا" أيضا"، أن لا تتحول هاتين الدولتين الرجعيتين إلى قاعدتين أساسيتين للإرهاب فقط، بل كقاعدتين أساسيتين لانطلاق النشاط السياسي لمختلف القوى والحركات الرافضة للوجود الأمريكي في المنطقة ودون شك إن بإمكان هاتين الدولتين أن تفعلا الكثير ضد المخطط الأمريكي سيما أنهما تملكان، حدود جغرافية مع العراق بطول مئات الكيلومترات بالإضافة إلى تجربة غنية في ميدان استغلال المأساة الإنسانية للتعامل مع مثل تلك الحالات والأوضاع السياسية.

ولذلك فإن كل هذا الضجيج الإعلامي الذي يفتعله المسؤولون الأمريكيون وعملائهم العراقيون حاليا" حول صيرورة هاتين الدولتين منبعان ترفدان العراق بالإرهابيين وتقومان بتغذية البؤر الإرهابية في العراق بكل مقومات ممارسة العمل الإرهابي، تهدف إما لتبرير الفشل الأمريكي في العراق وإن ذلك الزعيق والعويل ما هي إلا محاولة يائسة لممارسة الضغط على هاتين الدولتين بغية ارغامهما للتعاون مع الجهود الأمريكية لاحتواء الوضع في العراق وفق الاستراتيجية السياسية الأمريكية. وإما أنها لتهيئة الأوضاع السياسية والاجتماعية في المنطقة والعالم لتنفيذ حلقة أخرى من حلقات المخطط الأمريكي وبطبيعة الحال إن ذلك يتطلب ضرورة إيجاد المبررات والذرائع المناسبة التي تهيئ الذهن الاجتماعي في أمريكا والعالم أجمع كي تسمح أن تمضي الإدارة الأمريكية الشريرة والهمجية قدما" في فرض استراتيجيتها السياسية على العالم كله.

وبغية إنهاء هذه الأوضاع المتوترة والحبلى بالمأساة والكوارث الإنسانية الرهيبة في المنطقة وبغية إنهاء السيناريو الأسود الذي فرض ضلاله الثقيلة والمخيفة والمظلمة على المجتمع العراقي وبغية أيجاد مناخ سياسي سليم تضمن بأن تعيش في ظلها شعوب المنطقة بأمن وسلام وبأن تسود جو من العلاقات الإنسانية القائمة على المودة والأخاء والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل بين الجميع وتضمن كذلك قلع كل عوامل البؤس الاقتصادي والاجتماعي من جذوره داخل المجتمع العراقي وتحقق الرفاهية والسلام والاستقرار لجماهير العراق، ينبغي أن تلتف كل القوى الداعية للحرية والمساواة وكل القوى الثورية المعادية للنظام الاجتماعي البرجوازي العفن حول الحزب الشيوعي العمالي اليساري العراقي من أجل طرد قوى السيناريو الاسود وعلى راسها القوات الأمريكية من العراق والقوى الرجعية المحلية الاخرى وبالتالي إنهاء حالة الاحتلال وإتاحة الفرصة أمام جماهير العراق لتحديد مصيرها ومستقبلها السياسي بنفسها ولاختيار شكل الحكم التي يناسبهام بملئ إرادتها.