العاصفة الثورية

تمر ألآن بمصر !

 

جليل شهباز

بعد أن تمكنت الثورة التونسية من تحقيق انتصارات كبيرة واطاحت بدكتاتور تونس بن علي وعصاباته الوحشية فتحت آفاقا" واسعة أمام هذه الثورة لتحقق بقية أهداف الجماهير وتطلعاته وامانيه الانسانية والعادلة. ولكن ما هو مهم بهذا الخصوص هو أنه على أعقاب تلك الانتصارات العظيمة أصبح كل ركاز واسس النظام الرأسمالي الفاسد في هذا البلد مهزوزا" وأصبح قابلا" للأنهيار إذا توفرت الإرادة الطبقية الواعية والمنظمة للعمال والكادحين بغية خوض مثل تلك المعركة الطبقية الفاصلة التي من شأنها أن تقلع كل أشكال الظلم الاجتماعي من الجذور وتنهيها إلى الأبد. لاشك أن النظام السياسي البرجوازي في هذا البلد قد أدرك خطورة مثل هذه الأوضاع على السلطة السياسية للبرجوازية ونظامهم الاقتصادي الرأسمالي فبادروا على الفور للملمة صفوفهم من جديد والاستعداد لاجهاض هذه المهمة الثورية والإنسانية وهي لاتزال في المهد ولذلك فقد بذل، خدم البرجوازية الوضيعين من رموز النظام القديم وبقية القوى والأحزاب السياسية الرجعية والانتهازية من الذين تموضعوا في الجبهة المعادية للجماهير، كل ما في وسعهم لتفريغ ذلك الشلال الجمايري الهادر وكل الاعتراضات والاحتجاجات الجماهيرية من محتواها الثوري وبالتالي دفعها لتنحرف عن مسارها الواقعي والانساني، ولذلك فقد نجحوا لحد الان من حماية السلطة الطبقية للبرجوازية لأنهم تمكنوا ابقاء كل شيء تتعلق بهذه المسألة على حاله دون أن يمس حيث أن كل المؤسسات القمعية للنظام السابق بقي على حاله دون تغيير وكذلك البرلمان والسجون والمعتقلات...إلخ، وكل ما حصل، فيما يتعلق بالتغيير السياسي في تونس، هو تنحي راس النظام وبعض الشخصيات السياسية المتنفذة له من السلطة ولكن ذلك لم تؤثر أبدا" على المحتوى الطبقي للسلطة السياسية في هذا البلد ذلك لأن أحد الرموز السابقة لنفس النظام الدكتاتوري قد حل محله مؤقتا" بالإضافة إلى تحالف بعض رموز النظام القديم مع بعض القوى السياسية الوصولية والانتهازية والرجعية لمسك زمام السلطة وتشكيل الحكومة المؤقتة، ومن ثم اطلاق بعض الوعود الكاذبة والمعسولة للجماهير والتعهد باجراء الانتخابات في غضون ستة اشهر. ولكن مهما فعل خدم

 

 البرجوازية التافهين، سوف لن تنخدع بها الجماهير التونسية الثورية وستبقى تدرك بأن كل الاجراءات والتدابير السياسية التي تمارسها أيتام النظام القديم سوف لن تحقق لهم الرفاه الاقتصادي ولا الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية ولذلك فأن مظاهراتهم واعتراضاتهم الجماهيرية لازالت مستمرة. ولكن ما هو جدير بالذكر هو أن هذه الثورة لم تنحصر في الحدود الجغرافية لتونس، بل تحولت إلى راية لثورة الجياع والفقراء والعمال والكادحين وكل متعطشي الحرية والمساواة في عموم الشرق الأوسط ولذلك فقد انتقلت العدوى الثورية من تونس الى بقية دول المنطقة بسرعة البرق وهبت عاصفة ثورية من شأنها أن تدمر عروش الحكام المستبدين وحكوماتهم الفاسدة وأجهزتم القمعية الوحشية. ولهذا فقد اندلعت المظاهرات الجماهيرية الغاضبة في الكثير من بلدان المنطقة فدبت الرعب في قلوب أصحاب الجلالة والفخامة والسمو وعلى أثرها أعلن البعض فورا" تقديم المواد الغذائية مجانا" إضافة" إلى مبالغ نقدية لكل المواطنين لمدة أربعة عشر شهرا" وأعلن البعض الآخر تغيير تشكيلاتهم الوزارية، وآخرين أعربوا عن تصميمهم في اجراء الكثير من الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ودعا البعض الآخر حكام المنطقة للاجتماع فورا" من أجل بحث الاوضاع الثورية التي تمر بها المنطقة وايجاد الحلول العملية لها، ولكن الأهم من كل ذا وذاك هي الحيرة التي أصابت بها البيت الأبيض وبقية حلفائها من الحكومات الغربية حيث أنهم أصبحوا عاجزين لا حول لهم ولا قوة أمام تلك الأحداث الثورية العظيمة لانهم لا يعلمون فيما إذا كان من الأفضل دعم بيادقهم من هؤلاء الفزاعات الذين يحكمون بلدانهم بالحديد والنار، أم دعم الانتفاضات الجماهيرية التي ستنبثق منها أنظمة سياسية جديدة، أما بهذا الخصوص فإذا ما قاموا بدعم الحكام المستبدين لحماية أنظمتهم من السقوط تحت الضربات القاصمة التي توجهها لهم الجماهير الثورية فأنهم سيفقدون مصداقيتهم أمام شعوبهم وستظهر زيف ادعاءاتهم التي تنادي بالديمقراطية وحقوق الانسان وما الى ذلك، وهذا بدوره سيضعهم في موقف حرج قد تكون عواقبه وخيمة على سلطتهم ومستقبلهم السياسي، أما إذا قاموا بدعم الجماهير الثورية وانتفاضاتهم العارمة، فلربما تكون ذلك أكثر كارثية بالنسبة إليهم ذلك لأنه لا أحد يعلم 100% ما ستؤول إليها تلك الثورات والانتفاضات الجماهيرية لأن كل الأحكام بهذا الخصوص خاضع للاحتمالات والتكهنات. ولهذا فربما لا يتوقف الثورات الجماهيرية عند الحدود التي تضمن لهم مصالحهم الاقتصادية والسياسية والعسكرية  في المنطقة ذلك لأن كل العوامل الثورية التي من شأنها أن تتطور، أثناء الممارسة الجماهيرية لتلك الأفعال الثورية ضد أنظمتهم الاستبدادية، إلى حركات راديكالية اشتراكية قد تنجح في اسقاط الأنظمة الرأسمالية، وفي هذه الحالة ستكون عواقبها كارثية على كل النظام الرأسمالي الفاسد حتى إذا أخفقت تلك الحركات والثورات في تحقيق أهدافها الثورية والاشتراكية. لكن ما هو مثير للاهتمام هو تطور الأحداث في مصر إلى ثورة جماهيرية عارمة بسرعة قياسية غير متوقعة ولهذا نرى من الضروري التوقف عند تحليل الأحداث الثورية التي تمر بها مصر ذلك لأن نجاح الثورة في مصر سترافقها الكثير من التحولات السياسية والاجتماعية العظيمة بسبب الثقل السياسي والاجتماعي الذي يتحلى به مصر في العالم العربي وكل الشرق الأوسط.

في الحقيقة إن ما يجري في مصر لا يمكن اعتباره نتيجة مباشرة للثورة التونسية كما يدعي بعض المحللين السياسيين، بل يمكن القول بأن الثورة التونسية كانت بمثابة الشرارة الأولى التي اندلعت منها اللهيب الثوري في كل المنطقة ومنها مصر، حيث أن هذه الأحداث الثورية الكبيرة والسريعة التي تمر بها مصر لم تكن وليدة سبب محدد بعينه، بل وكما أشرنا إليها في مقالتنا في العدد السابق، فإن الثورات تحدث نتيجة" لتراكم كم هائل من مختلف العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعاني منها السواد الأعظم من الجماهير وعلى أثر تفاقم التناقضات الاجتماعية الكامنة في تلك العوامل تولد الوضع الثوري داخل المجتمع والتي بدورها تولد الثورات والانتفاضات الجماهيرية أو الطبقية. وعلى هذا الأساس فإذا ألقينا نظرة" خاطفة على أوضاع الجماهير المصرية وخصوصا" العمال والكادحين فسيتبين لنا بأن أكثر من عشرون بالمائة من سكان مصر يعيشون دون خط الفقر كما وأن الغالبية العظمى من سكان مصر يعانون من ارتفاع الأسعار وانخفاض مستويات الأجور ومن صعوبة المواصلات والحرمان من السكن اللآئق بالانسان المعاصر وخصوصا" بين الشباب وكذلك شيوع البطالة داخل المجتمع المصري تعتبر آفة قاتلة لأن ملايين الشباب وخريجي الكليات والمعاهد عاطلون عن العمل ولا يوجد أمامهم أليس ية فرصة في إيجاد العمل المناسب فقط، بل حتى إيجاد أي نوع من العمل مهما كان غير مناسب مع المؤهلات العلمية والفكرية أو مع القوى الجسدية والعضلية للمواطن، وبطبيعة الحال ترافق حالة البطالة هذه غياب ضمان البطالة والرعاية الصحية. هذا كله من جهة أما الجهة الاخرى فحرمان المواطن المصري من الحقوق السياسية والمدنية والشخصية وتعرضه للإهانة، على أيدي جلاوزة النظام من منتسبي مختلف الأجهزة القمعية التي تحرس على حماية النظام السياسي، حتى لأتفه الأسباب. وعليه فبتراكم كل هذه المظالم وكل هذا الحرمان وكل هذه القسوة التي جوبهت بها مختلف الاعتراضات الجماهيرية وكل حركة مطلبية قد أدت إلى ازدياد حدة وتأجيج التناقاضات بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية ذات العلاقة فكانت شرارة" واحدة كافية لاندلاع لهيب الثورة في مصر. وبهذا فعلى أساس شدة وعمق وسعة مختلف أشكال الظلم الاجتماعي الواقع على السواد الأعظم من الجماهير وخصوصا" على العمال والكادحين تطورت الأحداث الثورية بمثل هذه السرعة والراديكالية في الفعل والتوجه والمطالب والشعارات، وكالعادة، وعلى أعقاب قوة تلك الأحداث الثورية وتأثيرها العميق والفعال على مختلف القطاعات والطبقات الأجتماعية في مصر بالاضافة إلى خطورتها الشديدة على النظام السياسي، أمرت الحكومة الاستبدادية أزلامها البرابرة ومختلف أجهزتها القمعية بالانقضاض على الجماهير الثورية. فشنت تلك الأجهزة هجمات وحشية على المظاهرات السلمية للجماهير المنزوعة السلاح في مختلف المدن المصرية وخلال أربعة أيام من الأفعال والأحداث الثورية قدم جماهير مصر العشرات من القتلى ومئات الجرحى نتيجة" لتلك الهجمات البربرية للأجهزة القمعية التابعة للنظام.

لقد كانت انطلاقة الثورة المصرية عفويا"، وعلى الرغم من المطالب والشعارات الثورية التي رفعها الجماهير الثائرة في مظاهراتهم الحاشدة، فإن الانطلاقة العفوية لمختلف الأعمال الثورية للجماهير عرضة للانحراف عن مسارها الثوري ذلك لأن الحكومات البرجوازية الغربية من جهة ومختلف القوى والأحزاب السياسية والاجتماعية في الداخل والمنطقة من جهة اخرى يبذلون كل ما في وسعهم لحماية الوضع القائم فكلهم ناشدوا مبارك لاجراء الاصلاحات السياسية والاقتصادية وان الهدف من كل تلك النصائح والارشادات واضح وهي بطبيعة الحال لقوقعة الأفعال الجماهيرية الثورية كي تبقى أسيرة" لتلك الاصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التافهة، كاجراء الانتخابات وتغيير بعض رموز السلطة وحتى اقرار سقف معين من الحريات والحقوق أو تغيير شكل السلطة دون المساس بمحتواها الطبقي، وبالفعل هذا ما حصل حيث أن مبارك قد أمر بالأمس على استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة وأعلن اليوم أنه سوف لن يرشح لدورة رئاسية اخرى كما ودعا مؤسسات الدولة للقيام بالكثير من الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى إذا تم له ذلك فسوف لن يتغير أي شيء سوى تغيير بعض الوجوه وتخدير الجماهير بها لأحتواء ثورتهم العظيمة. ولكن تلك المحاولة اليائسة لمبارك لم تخفف حدة وسعة المظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية ضد نظامه، وبدلا" من أن يصبح عنصرا" لاحتواء الروح الثوري لدى الجماهير أصبح ذلك التغيير الحكومي ودعوته للاصلاح عنصرا" لتعميق الأزمة السياسية للنظام وجاءت ردة الفعل الجماهيري على ذلك الاجراء سريعا" حيث توسعت المظاهرات الجماهيرية لتصبح بالملايين ومئات الالوف في مختلف المدن المصرية ، وبادر الجماهير الى رفع شعارات ومطالب اكثر راديكالية، وباعتقادي ان هذه المظاهرات المليونية هي بمثابة المسمار الأخير على نعش النظام واقترب النظام من السقوط قاب قوسين أو أدنى منه بقليل. أما بهذا الخصوص فينبغي على جماهير مصر الثورية أن تنتبه إلى نقطتين نراها في غاية الأهمية أولهما: دور القوى الاسلامية وانخراطها وتدخلها ومساعيها الخبيثة في تحديد مسار ومستقبل ثورة الجماهير المصرية لتصب في مصلحة الاسلام السياسي، حيث أن بعضا" من تلك القوى وخصوصا" اخوان المسلمين تعتبر قوة منظمة ولها تجارب غنية وعريقة في العمل السياسي والصراع على السلطة ولها تقاليد سياسية وايديولوجية مغروسة في الذهن الاجتماعير التي تنتقل من جيل الى جيل منذ أكثر من 1500 سنة، ولذلك فينبغي على الجماهير الثائرة وخصوصا" القوى اليسارية والعلمانية منها أن تفضح كل المساعي الخبيثة للقوى الاسلامية الساعية الى اخضاع الثورة لنفوذها وتأثيرها السياسي. أما ثانيهما: هو ضرورة الانتباه للمساعي اليائسة لمختلف رموز السلطة السياسية ورأس النظام حيث أنهم الآن منهمكون بتحضير دسيسة سياسية وذلك من خلال حبك مسرحية مفضوحة احدى فصولها كانت اعطاء الأوامر لأجهزة الشرطة والأمن للاستخدام المفرط للقوة ضد الجماهير وهذا ماحصل وبعدها تم اعطاء الأوامر لتلك الأجهزة بالانسحاب من المشهد الدرامي وفسح المجال أمام عمليات السرقة والنهب والتخريب ومن ثم تكليف الجيش لتحل محلها بغية حماية المتلكات العامة والخاصة وحماية أمن الجماهير وبعدها القاء اللوم على تلك الأجهزة باقتراف كل تلك الجرائم الوحشية ضد الجماهير! والغرض من حبك تلك المسرحية واضح تماما" حيث انهم أرادوا أن يجعلوا من الجيش منقذا" للوطن والشعب حتى تكتسب الرضى والولاء الجماهيري لتصبح بديلا" عن الانتفاضة الثورية للجماهير ومن ثم تشكيل حكومة عسكرية لا أحد يعلم كيف ستكون عواقبها. وبهذا فإذا أراد جماهير مصر أن تستمر وتكتمل ثورتهم حتى تحقق كل أهدافهم الثورية والانسانية العادلة فماعليهم إلا أن يتغلبوا على كل العوامل والعناصر العفوية التي تتحكم بثورتهم المجيدة وكل اعتراضاتهم واحتجاجاتهم الثورية ونؤكد لهم بأنه سيتم لهم ذلك من خلال المبادرة إلى تشكيل حزبهم الشيوعي العمالي الذي من شأنه أن ينظم ويقود الجماهير المحرومة في مصر نحو تحقيق كل تطلعاتهم وأهدافهم الإنسانية.