لازال الصراع على السلطة حادا"، بين القوميين والاسلاميين!

 

جليل شهباز

gelilshahbaz@yahoo.com

 

بعد أن اضطرت امريكا على التراجع نسبيا" في صراعها على النفوذ والهيمنة والنهب أمام إيران، أعطت الضوء الأخضر لأتباعها وخصوصا" بعض القوى والاحزاب السياسية السنية المتحالفين فيما يسمى بكتلة العراقية التي يتزعمها البعثي السابق اياد علاوي. فبعد ان تعثرت المفاوضات بين الكتل الفائزة في الانتخابات حول تشكيل الحكومة أكثر من تسعة اشهر رأينا فجأة" أن كل تلك الأضداد قد التفوا حول مبادرة مسعود البارزاني وبعدها تم الاتفاق على تسوية الخصومات والخلافات العويصة فيما بينهم وتمت انتخاب الرئاسات الثلاث ومن ثم بدأ السباق الماراثوني لتشكيل الحكومة. فما الذي حصل! وهل كانت مبادرة مسعود البارزاني بمثابة العصا السحري الذي له كل ذلك المفعول؟! على الاطلاق فمبادرة البارزاني لم تأتي بشيء جديد، بل تضمنت بعض ما كان يتردده القوميين الكرد منذ سقوط النظام البعثي ولحد الآن، ولذلك فكانت الطبخة جاهزة وجاءت تلك المبادرة المشؤومة فقط كغطاء لعقد مختلف الصفقات والاتفاقيات والمساومات الحقير لتقاسم السلطة والثروة ونهب أموال العراقيين فيما بينهم. لقد أكدنا في مقالاتنا السايقة بأن طبيعة الصراع السياسي الجاري فيما بين مختلف القوى والأحزاب والمجاميع والزمر الدينية والعرقية محكومة بطبيعة الصراع القائم بين قطبي الارهاب الدولي المتمثلتين بالإسلام السياسي من جهة وامريكا وبقية حلفائها الغربيين من جهة اخرى، في المنطقة عموما" والعراق خصوصا"، وإن مجرى الأحداث أكد بأن هذا ما حصل بالضبط حيث ان امريكا والغرب فشلتا في تنفيذ استراتيجياتها ومشاريعها وبرامجها الرجعية في المنطقة عبر حروبها الوحشية في العراق وافغانستان، ولكن هذا لا يعني انتصار القطب الرجعي الاخر أي الإسلام السياسي .

فبقدر ما يكره جماهير المنطقة القطب الارهابي الامريكي، يكره ايضا" الاسلام السياسي فاذا كان كره الاحتلال الامريكي قد جمع بين الجماهير والاسلام السياسي وأصبح امرا" واقعا" وفرض التراجع على القطب الامريكي وأفشل مخططاته، فإن اختلاف السبل والرؤية والهدف بينهما هو الاخر امر واقع ولذلك نرى الان نفس الجماهير الذي اشترك مع الاسلام السياسي في كره الاحتلال الامريكي يشترك الان مع الجهد الحكومي في كره ومحاربة الارهاب الاسلامي، وهذا ايضا" لا يعني محبة وولاء للحكومة الطائفية القومية في العراق.. على كل حال فعلى أثر ذلك الفشل اضطرت امريكا الاتفاق مع إيران إما وراء الكواليس أو ضمنيا" على شكل الحكومة المقبلة في العراق.

 

ولذلك فإن تنازل كتلة العراقية عن رئاسة الوزراء على الرغم من كونها الكتلة البرلمانية الاكبر حجما" لم تكن صدفة أو مفاجأة أو حبا" بالمواطن العراقي أو حتى كتضحية لاحتواء الأزمة السياسية الخانقة التي تمر بها العراق من جراء سياساتهم اللآإنسانية أو بغية الاسراع بتشكيل الحكومة لسد الطريق أما الإرهابيين بغية تحقيق الاستقرار السياسي والأمني كما يدعون، بل جاء ذلك التنازل وكما أشرنا إليها فيما سبق من جراء الضغط الامريكي فتم ارغامهم على تقديم مثل ذلك التنازل وذلك لانقاذ ما يمكن انقاذه من السياسات والخطط والمشاريع الرجعية الامريكية. ففي هذه الجولة من المعركة بين قطبي الإرهاب اضطرت امريكا على تقديم التنازل أمام إيران للسبب الذي ذكرناها، ولذلك فأنه لولا ذلك التنازل والاصرار على استمرار الصرع بالشكل الجاري لربما كانت خسارة امريكا افدح بكثير من تلك الخسارة التي لحقت بها في تلك الجولة ولربما انتقلت الحرب إلى داخل امريكا أو لربما فقدت هيبتها وجبروتها الدوليتين وعلى أثرها كانت ستفقد بالضرورة سيطرتها على مناطق النفوذ العالمي وهذا من شأنها بطبيعة الحال أن تضر بمصالحها الاقتصادية وتفقدها القدرة على السيطرة الاقتصادية على العالم. وعليه فإذا كان الصراع بين هذين القطبين كانت علة هذه الصورة فإن الصراع بين أتباعهم داخل العراق لم تتوقف بل هو مستمر لحد الآن حيث أن الكابينة الحكومية لم تتشكل بالصيغة النهائية فلازال الصراع حادا" بين مختلف الكتل والقوى السياسية للاستحواذ على الوزارات الأمنية، ولكن السؤال التي تتطرح نفسها هي: بما أن حلفاء امريكا وبتوجيه من الادارة الامريكية قد اضطروا على التنازل من منصب رئاسة الوزراء، فلماذا كل هذا التلكأ والتأخير في تشكيل الوزارة وكلما تقدم المالكي اسماءا" معينة للوزارات الأمنية رفضها العراقية على الفور؟ في الحقيقة عندما يضطر طرف معين في أي نزاع كان على تقديم تنازل معين أو القيام بمساومة معينة فذلك لا يعني أن الصراع حول ذلك النزاع قد انتهى!

 

أما بخصوص ذلك التنازل فإن الوزارات الأمنية تعتبر العنصر الأساسي للقوة والسلطة السياسية في الدولة فمن يستطيع أن يفرض سيطرته على تلك الوزارات يعني أنه قد أصبح الحاكم الفعلي للبلد ولذلك فإن الصراع للاستحواذ على تلك الوزارات قد أصبحت أكثر قوة وشدة مقارنة" بالصراع التي جرت حول منصب رئاسة الوزارة بحد ذاتها. ولذلك فإن الوضع السياسي لازال متأزما" وأصبح تدهور الوضع الأمني الى ما هو أسوء من أكثر الاحتمالات قابلية للتحقيق، أما بهذا الخصوص، أي الصراع على الوزرات الأمنية، فيبدو أن موقف التحالف الشيعي قد أصبح مهزوزا" في صراعها مع التحالف السني ولذلك فإن ضرورة بقاء توازن القوى لصالح التحالف الشيعي قد فرض عودة الرجعي المتشدد مقتدى الصدر من إيران مجددا" إلى الساحة السياسية العراقية فإن وجود هذه الشخصية الرجعية المدعوم بقوة من إيران في خضم الصراع الجاري على السلطة في العراق من شأنه أن يعزز الدور التنافسي للتحالف الشيعي على السلطة وما مجاملة كل مراكز القوة الشيعية لهذه الشخصية الرجعية إلا تأكيدا" على ما طرحناه.

 

ولكنه مع كل ذلك فإن جماهير العراق على يقين تام بأن الاستحواذ على السلطة من قبل أي طرف كان سوف لن يحقق الحرية الرفاه والأمن والاستقرار والعيش الكريم للمواطن العراقي لأن كل برامجهم ومشاريعهم وخططهم بعيدة عن التطلعات الجماهيرية وبعيدة عن النزعة الإنسانية وليس هناك أي اختلاف من حيث الجوهر فيما بين كل الأطراف المتصارعة على السلطة في العراق.. ولهذا فإن الجمهورية الإنسانية هي فقط شكل السلطة الوحيدة التي بامكانها أن تحقق كل ما يتطلع إليه جماهير العراق.