حصار غزة ،عملية اجرامية خطيرة ضد الجماهير الفلسطينية

سمير نوري

Samir_noory@yahoo.com

 

اعلنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطيينين - الاونروا انها اضطرت الى وقف توزيع المساعدات الغذائية عن نحو 700 الف فلسطيني في قطاع غزة في الوقت الذي دعت فيه حماس جموع الفلسطينيين الى التوجه نحو المعابر الحدودية لكسر الحصار الذي تفرضه القوات الاسرائيلية على قطاع غزة. كيف  بامكاننا النظر الى هذه الاحداث التي تؤدي الى تجويع الالاف من الناس؟.

بدأ الحصار منذ عدة اشهر. وقد تم فرضه على جماهير قطاع غزة من قبل الحكومة الاسرائيلية بقطع امدادات الوقود والكهرباء ومنع العمال الفلسطيينين من الذهاب الى العمل داخل اسرائيل. كل تلك الاجراءات كانت تهدف الى تصعيد الصراع مع حماس ومع الجانب الفلسطيني المسيطر على قطاع غزة. يجب القول ان اسرائيل تقوم بعملية اجرامية خطرة. انها ولكي تواجه طرف معين وهو طرف رجعي وليس اقل يمينية من دولة اسرائيل نفسها، اي حماس وقوى الاسلام السياسي ذات الدور التخربيي في حياة الجماهير، ولاجل معاقبة هذا الطرف ومواجهته، فان اسرائيل تعاقب مئات الالاف من البشر وتحديدا قرابة المليون انسان تحت القصف اليومي وقد قتل منهم لحد اليوم اعداد كبيرة من الاطفال. وقد اظهرت وكالات الانباء العالمية صور الاطفال والبيوت المهدمة والمستشفيات. ان دولة اسرائيل دولة مجرمة لا تمتلك اي حق في هذه التصرفات وهذا الاجرام بحق شعب كامل، وبناء سور حول الجماهير، حول مليون مليون انسان وتجويعهم وقصفهم وقطع الامدادات عنها. في واقع الامر فان اسرائيل قد بنت سجن حول الفلسطينيين وقطعت عنه كل الامدادات الضرورية للحياة. لقد تحول قطاع غزة الى مخيم لللاجئين مطوق من جميع الاطراف وامام مرأى ومسمع العالم. ان ذلك عار على البشرية ان تنظر بلا ابالية الى هذا الوضع وتحت عنوان مواجهة الارهاب وهي شعار جورج بوش والمحافظين الجدد ترتكب هذه الجرائم. تحت هذه اليافطة يقومون بارتكاب الحصار والتجويع وهي جرائم ارهاب وقتل جماعي. ليس لاسرائيل الحق في قتل الاطفال وتجويع الجماهير ومنع العمال من الذهاب الى العمل وتدمير مناطق سكنية كاملة. ان هذه الاوضاع تبدو اكثر سوءا اليوم من اي وقت مما اظطر المنظمات الخيرية العالمية الى تقديم المساعدات الى الجماهير وهي لا تتمكن حتى من اتمام توزيع المساعدات بسبب صعوبة الاوضاع مما اظطرهم الى ايقاف عملهم في مساعدة الجماهير.

 

لقد عبرت منظمة الاونروا عن ان نقص الوقود يؤدي الى سلب قدرتها على تحريك الياتهم ومكائنهن ومولداتهم وبراداتهم الكهربائية وغيرها من اجل القيام بالنشاط وتوزيع المساعدات مما يزيد من حجم الكارثة. الكارثة موجودة فعلا اليوم ولكن نقص المساعدات سيؤدي حتما الى مضاعفة حجمها عشرات المرات وبشكل جماعي وسيؤدي الى حدوث مجاعة.

ان البشرية الان تواجه المجاعة بشكل عام. ويعاني سكان العالم من رفع اسعار المواد الاولية كالحنطة والقمح والرز وغيرها ولكن مع هذا فان قطاع غزة يعاني من الحصار من جانب اسرائيل من جهة والدول المجاورة الاخرى من جهة ثانية. في هذه الحالة فان حصول الكارثة هو شئ مؤكد. السؤال هو اين سيجد الناس الاكل والغذاء والمياه والادوية؟ هذا العمل الاجرامي سيؤدي الى كارثة واضحة امام البشرية. علينا عدم السكوت على هذه الجريمة الكبرى بحق جماهير فلسطين. ان الشعب الفلسطيني يعاني منذ عدة عقود وتحديدا منذ اربعينات القرن الماضي من الاظطهاد والتجويع والتهجير. على كل انسان شريف ومحترم ان يقف بوجه ضد هذه الجريمة وان يندد ببربرية دولة اسرائيل.

ان الجماهير الفلسطينية تحاول ان تنقذ نفسها واطفالها ولكن ليس للمواطن الفلسطيني ارادة في تحرير نفسه. فالمواطن الفلسطيني والشعب الفلسطيني بعمومه كالسجين في قفص. ان من المؤكد ان الجماهير الفلسطينية تصرخ وتحتج ولكن ليس من مجيب لهذا الاحتجاج وهو لا يلبي حاجتهم المباشرة. ان الاعلام نفسه لا يعكس الوضع المأساوي في قطاع غزة. ان الاعلام الغربي الكاذب اي قنوات السي ان ان والبي بي سي وغيرها لا تعكس بشكل صادق الاوضاع الماساوية للمواطنين الفلسطينيين وان الجماهير الفلسطينية بحاجة الى دعم عالمي فوري. هنالك صمت حتى في العالم العربي ويجب الا يتم السكوت عن ذلك ومعاقبة مئات الالاف من النساء والاطفال بسبب حركة رجعية كحركة حماس.

 

وبالطبع فان حركة حماس حذرت اسرائيل قائلة ان ابناء الشعب الفلسطيني لا يمكن ان يقبلوا بذلك وانهم سيكسرون الحصار باي طريقة. ولكننا نقول ان حماس لها ضلع ودور في عملية تجويع الجماهير الفلسطينية وهي عقبة ازاء اي حل للقضية.  ان الصراع هو بين جانبين: الجانب الاسرائيلي من جهة وحماس والاسلام السياسي من جهة اخرى. ولكن القضية الفلسطينية في واد وهاتان القوتان الرجعيتان في واد اخر. ان دولة اسرائيل هي الدولة الخالقة للجريمة بحق الشعب الفلسطيني ولكن حماس لها دور سلبي على القضية الفلسطينية. حركة حماس هي حركة رجعية تعتمد على الارهاب كممارسة سياسية لكي تتقدم بسياساتها في المنطقة. ان حماس مسؤولة عما يجري في ارض قطاع غزة وان قيامها باعمال اجرامية وارهابية داخل اسرائيل هو جزء من هذا الصراع الرجعي وبالتالي اصبحت حماس عائق امام حل القضية الفلسطينية ولا تستطيع ان تكون جزءا من الحل. ان استعمال الوسائل الارهابية كتفجير الاسواق والمدنيين واطلاق الصواريخ على المناطق السكنية والمدنية هو جزء من اعمال الارهاب الذي يقوم به اليمين الفلسطيني وحركة حماس تحديدا.

ان على الشعب الفلسطيني ان يقف ضد هذا الطرف ويزيحه لان ذلك الطرف هو بنفس درجة اجرام دولة اسرائيل ولكن طبعا بمسميات اخرى: اي باسم الدفاع عن النفس او تحرير فلسطين او المقاومة الخ. ان حماس تدعي انها تستطيع كسر الحصار عن قطاع غزة ولكن في الحقيقة انهم هم جزء من تعميق الازمة وخلق هذه الاوضاع وهم لا يستطيعون حلها. بالتاكيد ان جماهير فلسطين ستقاوم الحصار وتهاجم معبر رفح من اجل الحصول على لقمة العيش او الوقود او مهاجمة نقاط التفتيش بين اسرائيل وقطاع غزة. ان من الطبيعي ان الجماهير ستحاول كسر الحصار لانها لا تستطيع ان تنتظر الموت ساكنة. ان دور حركة حماس دور سلبي ومعادي للجماهير ويجب التنديد باساليب حماس الارهابية.

ومن جانب اخر فان الحكومة المصرية ارسلت قوات عديدة من الشرطة الى الحدود مع غزة لمنع الفلسطينين من كسر الجدار ودخول الاراضي المصرية. وفي الوقت الذي تندد فيه الحكومة المصرية بما تفعله الحكومة الاسرائيلية من اجرام الا انها لا تقوم بتقديم اي مساعدة للجماهير الفلسطينية. كل ما تسمعه الجماهير هو الصراخ حول القومية العربية ومحاربة الصهيونية وغيرها من العبارات.

 

ان التيار القومي والقوميين لا يمثل مصالح الجماهير. بالعكس انه يقف ضد مصالح الجماهير. لا يهم لاي قومية ينتمي هذا التيار القومي: عربي او كردي او تركي فالتيار القومي هو احد التيارات الاجتماعية الرجعية في المجتمع.  ان مصالح التيار القومي لا تتوافق مع مصالح الجماهير. وبما ان الدولة المصرية هي دولة قومية ورغم ادعاءاتها حول القضية الفلسطينية ومداخلتها في قضية فلسطين واعتبار انها طرف من اطراف الصراع الا ان هذه الحكومة ليس لها اي دور ايجابي في حل القضية الفلسطينية في الوقت الحالي. وقد رأينا في الشهر الاول من هذه السنة ان جماهير فلسطين قد هاجمت الحدود حتى وصولها الى رفح للحصول على المساعدات الغذائية ولكن قوات الحكومة المصرية ارجعتهم بالقوة واغلقت الحدود. واليوم تعيد مصر ارسال الالاف من قوات الشرطة لحماية الحدود ومنع عبور الفلسطينيين الجوعى. ان ذلك يعني ان الحكومة المصرية تشارك في تضييق الخناق على مدينة غزة تماما كما اسرائيل.

 

كلمة اخيرة حول جورج بوش وقدرته على حل القضية الفلسطينية وخاصة قبل نهاية مدة ولايته. لقد بينا حين دعي الى عقد مؤتمر انابوليس بان ادعاءات جورج بوش هي للاستهلاك الاعلامي، وانها محاولة دبلوماسية لاجل مواجهة الاسلام السياسي في الحرب التي يسموها " الحرب ضد الارهاب" وهو الصراع بين قطبي الارهاب الدولي لامريكا والاسلام السياسي. كما قلنا بان مؤتمر انابوليس سيكون فاشلاً. لقد اثبتت الاحداث انهم لم يفشلوا فقط في حل الاوضاع بل ان الاوضاع ازدادت تأزما وسوءاً. لقد اعترض محمود عباس على جورج بوش بان زيادة الاستيطان الاسرائيلي تعيق المفاوضات وتحقيق السلام ولم يستطع جورج بوش الجواب على تلك القضية ولم يندد بسياسة دولة اسرائيل في زيادة مساحة المستوطنات. معنى ذلك هو ان بوش غير قادر على حل القضية. ان ما يقوله لا يتعدى حدود الادعاءات.

وسواء اعلن عباس عن فشل المحادثات مع جورج بوش ام لم يعلن فانه في الحالتين ستكون نتيجة تلك المباحثات الفشل وان الاستنتاج النهائي هو ان جورج بوش والمحافظين الجدد لا يريدون انهاء هذه الازمة. ان حل القضية الفلسطينية يفسح المجال لحل مشاكل الشرق الاوسط ولكن المحافظين الجدد وجورج بوش ودولة امريكا لا تريد ايجاد الحلول العادلة للقضية الفلسطينية.