لقاء مع سمير نوري عضو المكتب السياسي حول

فشل تشكيل الحكومة وصراع الكتل الاسلامية والقومية الرجعية

 

نحو الاشتراكية: فشلت الكتل الشيعية في التوصل الى اتفاق لمرشح على منصب رئاسة الوزراء رغم تحالفها في كتلة واحدة . من جهة اياد علاوي والقائمة العراقية تعترض بان هناك مؤامرة ايرانية لاقصاءها ومن جهة اخرى فان الكتل الشيعية نفسها تعاني من التمزق والتصدع وبشق الانفس تستطيع ان تقرر على شئ. كيف تنظر الى صراعات هؤلاء والى اين يأخذون الامور في العراق بعد 8 سنوات من الدم والقتل والمجازر؟

 

سمير نوري: نحن قبل الانتخابات بفترة 6 اشهر تحدثنا عن الانتخابات التي اجريت في العراق بتاريخ 7 اذار 2010 وقلنا بان الانتخابت هي مهزلة وهي جزء من العملية السياسية في العراق. وبينا بان تلك العملية لن تخلص جماهير العراق من الكارثة والسيناريو الاسود الذي يمر به المجتمع. بل بالعكس فان هذه العملية السياسية بما فيها الانتخابات كجزء من العملية لا تجيب على متطلبات الوضع ولا تحل اي شئ بل العكس. وقلنا ان الاوضاع تزداد سوءا وقلنا ذلك قبيل الانتخابات. كما بينا ايضا ان تشكيل الحكومة ايضا تمر هي الاخرى بمرحلة عسيرة ومن الصعب عليهم تشكيل الحكومة. اني اتحدث عن ذلك لابين مدى مصداقية كلامنا وتصوراتنا ومصداقية البيانات التي اصدرناها حول الانتخابات المهزلة ومايسمى بالعملية السياسية وكل المجاميع المشاركة في هذه الانتخابات. وكنا واضحين في القول بان تلك الانتخابات لن تخدم جماهير العراق. ان ما قلناه صادق ودقيق بخصوص الاوضاع في العراق وتدهورها وادامة سفك الدماء وانهيار الاوضاع وازدياد وتيرة الصراعات الطائفية في بغداد ومناطق اخرى. لقد قلنا ايضا ان البرجوازية عاجزة عن تشكيل الحكومة وعن تشكيل الدولة وخلاص الجماهير وتطبيع الاوضاع وايضا فيما يتعلق بارجاع الامان والطمأنينة والحياة الروتينية. وبتصوراتي فان الاوضاع الراهنة تندفع نحو الاسوأ وليس الى التحسن.

 

نحو الاشتراكية: عمار الحكيم والصدر لا يريدان اعادة انتخاب المالكي وكل هؤلاء يخشون قدوم القوميين العرب والاسلاميين السنة في قائمة علاوي بينما الاخير يشتكي من "الظلم" ولم يحضر اجتماع الطالباني ويتوسل بامريكا التدخل. هل ياترى منصب رئيس الوزراء بهذه الاهمية ؟ وهل ان بيد رئيس الوزراء ايا كان، ان يوقف المجازر او يرجع الامان لوحده سواء كان بعثيا ام اسلاميا سنيا ام شيعيا ؟

 

سمير نوري: ان تشكيل الحكومة هي مسألة السلطة السياسية. بيد من تقع السلطة السياسية ؟، هذا هو السؤال. المسألة ليست فقط متعلقة برئيس الوزراء. ان من يشكل الحكومة يصبح هو السلطة السياسية في العراق. علاوي والمالكي يعرفان ذلك جيدا. لذا نرى الصراع دائر حول من يشكل الحكومة وان تقع السلطة بيده. لذا فان القوى التي تتصارع وتحاول تكسير عظام بعضها تجدها تعود فتجلس الى طاولة المفاوضات ويرجعون الى اتفاقات خارج رغباتهم وامانيهم. صحيح ان الاسلام السياسي الشيعي متشكل من كتل ومجاميع واحزاب الا انهم يريدون ان يشكلوا تحالفا ضد الاسلام السياسي السني والقوميين العرب. اياد علاوي يريد للسلطة ان تقع بايدي القوميين العرب وتيار الاسلام السني المتحالف معه. هذا هو الصراع الواقعي في العراق. وبرأيي انهم لن يقفوا عند هذا الحد بل سيحاولون كل المحاولات ويبذلون الجهود من اجل الوصول ولا احد يعرف الى اين يدفعون الامور. فكل طرف من تلك الاطراف قد هدد باستعمال القوة العسكرية والتفجيرات والارهاب. وقد هدد علاوي عدة مرات بانه في حال عدم تشكيل الحكومة فان الامور ستسير نحو الاسوأ بينما المالكي قد هدد باستخدام قوى الجيش التي تقع تحت امرته. ان الوضع في العراق هش جدا من الناحية الامنية وامريكا تريد ان تسحب قواتها من العراق. بانسحاب امريكا فقد تدخل القوى الحالية في مرحلة جديدة من الصراعات. لا اتصور ان احدا بامكانه ان يتوقع شكل الاوضاع على ايدي هذه القوى وما يمكن ان تدفع به الامور.

 

نحو الاشتراكية: امريكا ستنسحب في السنة المقبلة وقد اكد الجنرالات والساسة في امريكا على ذلك. في ظل الصراعات والنهش القائم فانه يبدو ان انسحاب امريكا سيضع العراق والمجتمع في مأزق وربما اندلاع كارثة جديدة؟ ما رأيك؟.

 

سمير نوري: برأيي ان الوضع كارثي بالنسبة للجماهير سواء بوجود الامريكان ام بعدم وجودهم. ورغم اني لا اتمنى رؤية الجيش الامريكي في العراق ولكننا لم ندعو الى خروج القوات الامريكية من العراق فقط بل دعونا ايضا الى نزع سلاح الميليشيات الاسلامية والقومية. يجب ان يحدث ذلك في نفس الوقت لكي يمكن للاوضاع ان تتغير. لذا فانه بخروج الامريكان وبقاء القوى الميليشياتية فان تلك القوى ستتصارع فيما بينها مستخدمين كل طاقاتهم في ذلك الصراع. ان وجود امريكا هو كالغطاء الذي يغطي على الاوضاع وبرفعه فان كل القوى والميليشيات ستخرج وتتدهور الاوضاع، الا اذا تدخلت جماهير العراق والقوى التحررية في الاوضاع وغيرت مساراتها دافعة بقوى السيناريو الاسود الميليشياتية الدينية والطائفية والقومية الى حافة المجتمع والى نزع اسلحتهم. ونحن بالطبع ندعو جماهير العراق والقوى التحررية للدفع بهذا الاتجاه. ولكن برأيي فان خروج الامريكان سيؤدي الى دفع الاوضاع نحو الاسوأ وزيادة وتيرة الانفجارات واشتداد حدة الصراعات الدينية والطائفية والقومية.

 

نحو الاشتراكية: ان المدنية والتمدن والمواطنة هي مطالب الجماهير ولكن هل يستطيع اي من هؤلاء تحقيقها؟ نحن نعرف ان المالكي سمى كتلته دولة القانون ولكنه صرح مؤخرا بان الحكومة المقبلة لن تكون الا طائفية ودينية والمواطنة بعيدة. وعلاوي من جهته يتكأ على الاسلام السياسي السني. فهل ان هؤلاء قادرين ، ان نجحوا في اقامة حكومة او دولة مستقرة، على ان يقيموا دولة المواطنة بمعنى المواطنة المتساوية؟

 

سمير نوري: اي قانون هذا الذي تتحدث عنه "دولة القانون"؟. لقد تبنى هؤلاء الدستور الاسلامي. دستور يعامل المجتمع على اساس مسلمين وغير مسلمين. انهم يسمونهم الاقليات ويسمونهم اليزيدية والصابئة والمسيحيين واليهود وغيرهم ولكن لا احد يتحدث عن الملحدين او الذين ليس لديهم اي دين. هنالك نسبة كبيرة من الناس غير مقتنعين بالدين ولكنهم يعرفون رغما عنهم بانهم اتباع دين معين او طائفة معينة. هذا جزء من الدستور العراقي الذي يتحدثون عنه. انهم يعرفون الدولة على انها اسلامية والقانون اسلامي والشريعة اسلامية. ان نوري المالكي كشخص وكزعيم حزب هو اصلا غير مدعي بالمواطنة المتساوية او حق المواطنة. انه بالتالي ليس مؤهلا للحديث عن المواطنة والمساواة. انه يدافع عن تعريف الانسان على اساس هويته الدينية والطائفية والقومية والاثنية وخارج عن تعريف المواطنة والانسانية. وبرأيي حتى بعد عشرين سنة ان سألوا المالكي حول ذلك سيقول ان دولة المواطنة ليس وقتها الان. ان اراءه رجعية لانها ضد العلمانية وضد فصل الدين عن الدولة وضد حق المواطنة المتساوية وضد المساواة الكاملة بين المرأة والرجل. ان المواطنة وحق المواطنة المتساوية شئ بعيد عن المالكي. ولكن بالنسبة لنا فان المواطنين في العراق يحبون ويريدون هذا المطلب وهو فصل الدين عن الدولة لكي يكون كل المواطنون متساوين وليس كما الان مقسمون الى كرد وعرب واسلام ومسيحيين وصابئة وغيرها. وبرأيي ايضا فان القوى الموجودة حاليا من اياد علاوي الى المالكي والحكيم والصدر والتوافق لا ينتمي اي منها الى القوى العلمانية وليس في اجندتهم تحقيق دولة المواطنة المتساوية او مساواة المرأة او فصل الدين عن الدولة. وقد رأينا مرارا كيف انه مرة يذهب المالكي لزيارة السستاني ومرة اياد علاوي. كل منهما يريد ان يأخذ الشرعية من الملالي ورجال الدين وليس من المواطنين او من المواطن البسيط الذي يمنح صوته. انهم يريدون الدعم والمساندة والصوت من الدين ومن الاسلام السياسي. ان ذلك يظهر مدى كذبهم وبعدهم عن المواطنة والعلمانية وفصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم وغيرها من المسائل التي تؤخذ بنظر الاعتبار في الانظمة العلمانية المبنية على مبدأ المواطنة المتساوية.

 

نحو الاشتراكية: اي جناح برجوازي اذن قادر على تشكيل دولة المواطنة ؟

 

سمير نوري: قبل ان نتحدث عن اي جناح قادر على تشكيل دولة المواطنة يجب ان نتحدث عن امكانيتهم لتشكيل الدولة!. برأيي ان البرجوازية في العراق عاجزة عن تشكيل الدولة. ليس هناك دولة في العراق بل ميليشيات. هناك سلطة ميليشياتية وتعريف ميليشياتي لكل المناطق في العراق. ان كل القوى التي تحاول تشكيل الدولة هي قوى رجعية؛ انها ضد المواطنة وضد المرأة وضد العامل وضد اي مساواة ويديمون تعريف البشر على اساس الاديان والطوائف والاقوام وبالتالي، حتى لو استطاعوا تشكيل الدولة في العراق، فانهم سيقومون بتشكيل دولة دينية طائفية قومية وعرقية رجعية ضد المواطنة وضد حق المواطنة المتساوية. البرجوازية غير مؤهلة لتشكيل دولة المواطنة.

 

نحو الاشتراكية: اذن المطلب بتشكيل المجتمع المدني ليس من مهمة القوى البرجوازية. ولكن مهمة ارجاع المجتمع الى مجتمع حر ومتساو ومرفه وحديث، مهمة من بالظبط ؟

 

سمير نوري: ليس فقط على صعيد العراق بل على صعيد العالم فان الطبقة البرجوازية اصبحت مخالفة للمطالب التي جاءت من مكتسبات الثورة الفرنسية الكبرى والمجتمع المدني المعاصر الذي بنته البرجوازية في السابق من المواطنة وفصل الدين عن التربية والتعليم وابعاد الدين عن حياة المجتمع. كل تلك المسائل هي من منجزات الثورة الفرنسية. اصبحت البرجوازية رجعية على صعيد عالمي؛ في امريكا كما في اوربا وغيرها. البرجوازية لم تعد تدافع عن العلمانية او عن المواطنة والمساواة ومدنية المجتمع. قبل ايام سمعنا باراك اوباما يتلو الايات القرآنية لكي يتملق ويتحالف مع قوى الاسلام السياسي ويقويه في المنطقة والاسلام غير المخالف لامريكا، بل مخالف للمواطنة في البلدان العربية او المسماة اسلامية. هذا ليس غريبا فاوباما نفسه هو ضد العلمانية والمواطنة وهو معادي لمبادئ الثورة الفرنسية نفسها. لا يهم اوباما امر المواطن العادي او وضع المرأة في العراق بل يهمه فقط الاسلام الذي يتحالف مع امريكا. هذه امريكا التي تدعي انها قمة الديمقراطية وتدافع عن الديمقراطية تقوم بالدفاع عن مبادئ الاسلام وتنظر للايات القرآنية باعتبارها مصدر جدي للمجتمع.

برأيي ان العلمانية والتمدن والمواطنة وحق المواطنة المتساوية وفصل الدين عن الدولة اصبحت ملقاة على عاتق الطبقة العاملة والقوى المتحررة في المجتمع. لقد قلنا سابقا ان فولتير وجان جاك روسو وبقية المناضلين من اجل الثورة الفرنسية هم الان قوى الشيوعية العمالية والاشتراكيين والتحرريين في العراق وايران وبقية المنطقة. هذا هو الواقع الان لان القوى البرجوازية الان اصبحت غير مستعدة وغير مهيئة للعب ذلك الدور الذي التصق بها في زمن ما ودورة ما مضت.

 

نحو الاشتراكية: سمير نوري نشكرك  على المقابلة.