سقوط مبارك

أنتصار عظيم للثورة، فلا تخلوا الشوارع، ولا تسمحوا باحتواء الثورة!!

  

لقد أصبح 11شباط يوم تاريخي عظيم في حياة الشعب المصري ، يوم استطاع فيه الجماهير المليونية ان يظهر قوتها وعظمتها في الشارع وتمكن من اسقاط  واحد من اكثر دكتاتوريات المنطقة دمويتا. يوم أمس الخميس كان كل العالم يراقب تطورات الثورة المصرية على أمل أن يعلن حسني مبارك استقالته و ينهى تاريخه الأسود، و لكن تعنت و دخل حلبة الصراع للمبارزة مع شباب ساحة التحرير و اراد ان يختبر قدره مرة اخرى " دكتاتور عجوز امام شباب الثورة" هكذا كتب احد الشباب على الفيس بوك ، ايهما تنتصر. و لما ازدادت الغضب الجماهيري و توسعت المظاهرات وبعد أن  شارك العمال بشكل واسع جدا فقد أصاب الشلل كل مفاصل الدولة بصورة كليةا  و مع بدأ الاضراب العام للعمال و قطعهم للعديد من الطرقات العامة و تهديدهم بغلق قنات السويس ، ساعد على أزدياد تماسك وصلابة الثورة في ساحة التحرير ، وكان من المقرر ان ينزل 20 مليون انسان الى شوارع كل المدن المصرية بعد ان بدأوا بضرب الطوق على مراكز الدولة ، الحكومة ، مجلس الشعب، و الأذاعة و التلفزيون، ولما قرر الحشود الجماهيرية في التوجه الى القصر الرئاسي ، في هذه الأثناء فهم الدكتاتور بان تعنته لا يفيده شيئا" فقرر ان يرحل ويهرب من امام ثورة الشباب ، وسلم السلطة الى المجلس الأعلى للجيش.

ان سقوط الدكتاتور كان خبرا" مفرحا لكل التحررين ليس للمصريين فقط و انما لكل البشرية ، و هزيمة حسني مبارك هو مرحلة مهمة من ارجاع الأمل بانتصار ارادة البشرية على القمع و الأستبداد و البربرية ، ان اسقاط دكتاتور مثل حسني مبارك ب48 يوما من اعلان العصيان المدني و 18 يوميا متتاليا من الاعمال الثورية بدون توقف و بضحايا كثيرة، واذا تم مقارنة ماحدث بالحروب التي حدثت خلال السنين الماضية في البلدان العربية، سيتبين بان الثورة هي اكثر الطرق ملائمة" لتحرير البشرية من القمع و الأستبداد و الحرمان الأقتصادي. ان الحرب الأمريكية التي نفذت ضد العراق تحت شعار تحرير العراق سبب بقتل عشرات ألألاف و تدمير البلد كليا وكذلك دخول البلد في دوامة حرب طائفية ودينية ولم يكن يتصور أحد كيف يمكن الخروج من الوضع المأساوي التي أوجده ذلك الحرب الوحشي، إلا أن ثورة الجماهير المصرية تمكنت من اسقاط  نظام مبارك وهي في اوج قوته ب300 ضحايا من اجل الحرية، و فتحت افاقا" واسعة أمام قضية تطور مصر الى بلد  حر و متساوي. ان هذه الثورة غرست في اعماق الجيل الجديد الروح الثوروية و سلوك طريق الثورة لحل القضايا المعقدة و المهمة داخل المجتمع.

لكن هذه الثورة مطوقة من قبل عدة اطراف التي تشكل قوى الثورة المضادة عالميا و محليا . الحكومة الأمريكية و اوباما ، الجيش المصري، و الاحزاب التي بدأت بالمفاوضات مع حسني مبارك قبل سقوطه وخاصة اخوان المسلمين. ان كل هذه الأطراف المذكورة هم اعداء الثورة وإن اخفاء هذه الحقيقة لا تخدم الثورة، فإذا شئنا أم أبينا، ستكون مسألة استلام السلطة من قبل الجيش هي مخطط خبيث  لاجهاض الثورة بذريعة صد حالة الفوضى و تغير السلطة بطرق سلمية ، انهم يريدون ارجاع الجماهر الى البيوت ، ويريدون اخلاء الشوارع من الثوار، حيث أن نفس المساعي كانت تبذل قبل سقوط الدكتاتور من قبيل الأصلاحات السياسية و الأقتصادية وبطبيعة الحال  بمساعدة و توصيات من امريكا وبهذا الخصوص كان عمر سليمان على خط  مفتوح مع  وامريكا، وكان تنازلاتهم يزداد يوما بعد يوم ، أي بقدر ما كان قوة الثورة تزداد صلابتا و  وسعة" كان تنازلاتهم تزداد وعلى الرغم من ذلك فأنهم لم يفلحوا في اقناع الثورة بالخضوع لطروحاتهم ، ولذالك ضحوا بحسني مبارك حتى يستطيعون انقاذ النظام . ولكن " الشعب يريد اسقاط النظام" وإن ذلك لم يتحقق لحد الآن وما تحقق لحد هذه اللحظة هو فقط سقوط رمز النظام وصنمه و لكن الهيكل لازال باقيا" في مكانه. وبتوصيات من اوباما و هيلاري كلنتون و  دور الجيش و الاستعداد الهش للمعارضة، التي لم يكن له اي دور في تقوية الثورة بل أصبح في أفضل الأحوال  ذيلا للثورة وكبل تقدمه في اكثر الأوقات، أخلى الطريق أمام الجيش لأخذ السلطة ، لكي يتسنى لهم بعد افشال الثورة وتفريغها من محتواها الثوري  أن يرجعوا لاعادة تنصيب  الدكتاتورية مرة اخرى.

الجيش لم يكن صديقا يوم من الأيام مع الشعب، بل الجيش هو اداة للقمع و السيطرة الطبقية و لحماية النظام السياسي _ ألاجتماعي الموجود و حارسها الأمين، ان الأبواق التي تسمع هنا وهناك حول هذه المقولة وخصوصا" من أناس يسمون انفسهم تحررين و او يساريين هي  في احسن الأحوال وهم و حماقة و انتحار. ان الجيش الذي يريدون ان يصورنه صديق الشعب هو الذي انتج الدكتاتوريات المصرية وكذلك في المنطقة ضد الجماهير الواسعة امثال حسني مبارك. ان المرتزقة الذين هاجموا شباب ساحة التحرير هم بالتأكيد مروا بين الدبابات ومن امام القوات العسكرية على صهوة الأحصنة والبعران وهاجموا بالأسلحة البيضاء على الجماهير المعزولة من كل وسيلة ديفاع. ان الجماهير لم تنتفض و تثور حتى تسقط نظاما دكتاتوريا بوليسيا ولكي تحل محلها  دكتاتورية جنرالات الجيش، ان الثورة لا تقبل بهذه المؤامرة  المضادة للثورة.

ان الثورة اسقطت الدكتاتورية و يجب ان تحل محلها حكومة ثورية ، ان الحكومة العسكرية باطلة، و حكم الجنرالات باطل، فقط الثورة لها شرعية جماهيرية لأن الثورة اكتسبت هذه الشرعية من شوارع مصر من الجماهير المليونية من الذين صوتوا بحناجرهم وصمودهم وتضحياتهم للثورة ، ولذلك فإن أي التفاف على هذه المسالة المهمة هو التفاف ضد الملايين من جماهير مصر ، الإرادة الثورية التي انجزت اول مطاليب الثورة والتي تمثلت  باسقاط الدكتاتور، لهل القدرة على تنفيذ جميع مطاليب الثورة الاخرى و التي كتبت على الافتات و البلاكاردات وعلى الجدران و بدماء المضحين من اجل الخبز و الحرية و الحياة الكريمة.

لم يكن اسقاط حسني مبارك الهدف الوحيد بالنسبة للجماهير المليونية في مصر كم روجوا لها مهندسي الأفكار في سي ان ان، بل كان الهدف هو  اسقاط النظام ، اي الدكتاتور و النظام الدكتاتوري بالكامل، و الغاء الشرطة و الأمن و المؤسسات القمعية، ومحاكمة الذين ارتكبوا الجرائم  بحق جماهير مصر خلال ثلاثين سنة مضت و نهبوا وسلبوا ثروات المجتمع، ان الثورة في بداية طريقها لتطبيق كل برنامجها ، ان الحرية و اطلاق سراح السجناء السياسيين و اطلاق الحريات السياسية يشكل محورا مهما من محطات الثورة. كما وان ضمان البطالة و زيادة الاجور و حياة كريمة يشكل المحور الأساسي للبرنامج  الاقتصادي للثورة ، ولهذا فإن الجيش ليس اهلا لتطبيق برنامج الثورة انما بالعكس يسعون لاعاقة ادامة الثورة في الوصول الى اهدافها. ان الحياة الكريمة و الخبز و الحرية لا يمكن تحقيقها في ظل النظام الرأسمالي ، حيث أنه بدون تطوير الثورة الى حيث انتزاع السلطة السياسية و الأقتصادية للبرجوازية فإن كل هذه الأهداف ستبقى بعيدة المنال وسيبقى الجوع و الفقر و البطالة لملايين الناس بدون حل و جواب. فقط الثورة لها القدرة على تلبية كل تلك المطالب.

الثورة لا تستطيع ان تستمر  وتنجح بدون تنظيم نفسها كسلطة و مسؤولة عن ادارة البلد. لهذا فإن بناء المجالس الشعبية في المحلات و المجالس العمالية في اماكن العمل و في المؤسسات لادارة المحلة و المعمل و المؤسسات التعليمية و الصحية و الخدمية  وعلى اساسها تنظيم المجلس التأسيسي للممثلي المجالس من كل المدن بعنوانها اعلى السلطة في البلد، فقط بامكان مثل هذه السلطة ان تجسد الارادة الجماهيرية و ليس تبادل الأدوار و التغير " السلس " التي يطرحه امريكا و يرددها المعارضة البرجوازية بشتى الوانها.

نعم سقط مبارك و سقطت الدكتاتور وهذه النقطة تمثل حلقة مهمة في تطور الثورة ولكن عملية احتواء الثورة أمر وارد في كل لحظة من لحاظاتها وهي مسألة حيوية يتطلب من قادة الثورة ان ينتبهوا جيدا" لكل الدسائس والمؤامرات التي  تحاك ضد الثورة، ان اخلاء الشوارع و عودة الناس الى بيوتهم  هي مؤامرة ضد الثورة يجب افشالها.

سمير نوري

11 شباك 2011