مقبلة نحو الاشتراكية مع الرفيق سمير نوري حول انتهاء مهلة المائة يوم التي طرحتها المالكي

 

نحو الاشتراكية: قبل عدة أيام انتهت مهلة المائة يوم التي طرحتها المالكي لتفعيل مختلف الوزارات الحكومية  بغية تقديم أفضل الخدمات والاسراع في عمليات التنمية الاقتصادية في العراق. برأيكم لماذا طرح المالكي هذه المبادرة؟ وأي أهداف يختفي خلف تلك المبادرة؟ وهل ان المالكي وحكومته الطائفية جادتان في تحسين الوضع الخدمي والتنموي للبلد؟

سمير نوري: لكي نفهم لماذا طرح نوري المالكي مائة يوم يجب ان نتعامل مع المسألة في الزمان و المكان التي طرحت "فيها المبادرة". نوري المالكي و القوى المسيطرة على السلطة الآن يمارسون السلطة منذ فترة طويلة فلماذا لم يطرحوا تلك المبادرة قبل سنتين ولماذا طلب المهلة قبل ثلاثة اشهر ؟ كلنا نعلم ماذا حدث قبل عدة اشهر او بالأحرى في بداية هذه السنة وخصوصا"في هذه المنطقة.  انطلقت النهضة الثورية او ما يسمى بالربيع العربي في بداية السنة الجارية و خاصة في تونس و مصر و التي أطاحت كل من مبارك و بن علي عن السلطة ثم انتشرت الثورة في كل المنطقة ونزل الى الشوارع عشرات الملايين من العمال و الكادحين و الشباب المعترض واجبروا الحكومات الأسبدادية و المعادية للجماهير لطرح الأصلاحات السياسية و الأقتصادية للحيلولة دون تحول الأعتراضات الى ثورات يزحهم نهائيا عن السلطة.

أما في العراق فلم يكن الوضع أفضل،بل في الحقيقة كان اسوء بكثر من بقية بلدان المنطقة ، فخلال ثمانية سنوات مضت لم تتمكن هذه الحكومة حتى من توفير الكهرباء و ماء الشرب وليس هذا فقط، بل ان استبداد هذه الحكومة وحروبها الطائفية دمرت كل ما تبقى من بعد الحروب المتتالية و الحصار الأقتصادي و الأحتلال.  كذلك الجماهير في العراق لم يسكت على المظالم و الجرائم التي مارستها السلطة ضدها وكانت بحاجة الى فرصة للنزول الشارع لتعلن عدم القبول بالوضع الموجود، الثورة في المنطقة هي التي اثارت الجماهير و اعطت الجرئة للكل بالقيام بالثورات و الأنتفاضات ضد الظلم و الطغيات و الحرمان.

نوري االمالكي لم يكن وحده من بين الذين طرحوا او طلبوا منحهم المهلة، بل طرح الموضوع من قبل علي السيستاني و مقتدى الصدر و هم طلبوا ستة اشهر و لكن مالكي طلب فقط مائة يوم، وكان الهدف وراء ذلك هو برأي لكي تمرً  العاصفة دون ان تزيحهم من السلطة و كانوا يتصورون ان الوضع خلال هذه الفترة ستتغير و ستنتهي العاصفة في المنطقة و خلال هذه الفترة هم سيتمكنون من تنضيم اوضاعهم ضد الجماهير ، إلا أنه لا يزال العاصفة مستمرة و هذه المرة ليست "عاصفة الصحراء" _ المقصود الحرب ضد العراق في 1991من قبل امريكا و حلفائها التي أولدت بزوغ النظام الدموي العالمي الجديد_التي اغرقت العالم في الحروب و الحرمان و فرض القوموية و الحركات الدينية و الأثنية على العالم ، ولكن العاصفة الثورية التي تهب حاليا" في المنطقة قد فتحت افاقا امام الجماهير للتدخل المباشر في مصيرها السياسي و الأقتصادي ان هذه الثورة تتعمق يوم بعد يوم و تتوسع افقيا و عموديا و المهلة التي طلبها المالكي كانت مهزلة اكثر من كونها مسألة جدية ، ولذلك فالحكومة التي لم تستطيع ان تقدم اي شيء لجماهير العراق خلال خمسة سنوات مضت فيا ترى! ماذا ستفعل خلال مائة يوم؟

لقد كان هدفهم من تلك المهلة أمر واضح فكما قلت لكي تمر العاصفة دون ازاحتهم من السلطة لكي يلعبون الاعبيهم القذرة ضد الجماهير و يخلقون اجواءا" خطرة لابعاد انظار الجماهير من قضاياها الجوهرية و الحياتية.

 

نحو الاشتراكية: بعد انتهاء مهلة المائة يوم، هل حصل أي تغيير يذكر، في مستوى معيشة المواطن العراقي، وفي الواقع الخدمي والتنموي للبلد،؟ أو بالأحرى هل حققت مبادرة المالكي أهدافها؟

سمير نوري: الهدف من مهلة المائة يوم لم يكن لانجاز اي تغير في حياة الجماهير، فكيف يمكن أن نتوقع أو ننتظر ليحدث اي شيء يذكر، ثم أن المالكي لا يملك العصا السحرية ، ولكنه في الحقيقة ان الخطة قد خدمت نور ي المالكي و حكومته حيث أنه استطاع خلال المائة يوم التي مضت ان يبعد الجماهير من ساحات التحرير الى درجة لا بأس بها، وفي الوقت الذي استطاع فيه الجماهير من اسقاط الأدارات المحلية في البصرة و الكوت و كركوك و الموصل، فإن هذه المهلة ابعدت الجماهير من الساحات وتركهم في حالة انتظار وترقب وساعدتهم في رمى مشاكلهم على عاتق غيرهم وفي الحقيقة ان بقية الأطراف ايضا بحاجة لخلق هكذا صراعات حتى لا تفلت منهم الأوضاع، بهذا المعنى ان " مبادرة المالكي حققت اهدافها ، و لكن السؤوال الذي يطرح نفسه بعد هذا المهلة ماذا سيقول المالكي للجماهير و في الوقت الذي فيه تواجه الحكومات القومية و الدينية في المنطقة الثورات العارمة من قبل الجماهير، فالسيناريو في اليمن و سوريا و ليبيا لاتزال مستمرة بقوة و لا يزال الناشطون في مصر و تونس يقولون الثورة لم تنتهي.

الوضع المعاشي و الأمنى لجماهير العراق تغير و لكن نحو الأسوء و ليس نحو الاحسن و خاصة من الناحية الأمنية حيث أن الأنفجارات و العبوات الناسفة و الاغتيالات و حرب الكواتم يخيم على اكثرية المدن العراقية ، كما وان المناورات العسكرية للميليشيات كميليشيات جيش المهدي في بغداد لا يشير الأ الى سوء الأوضاع و خطورة التشنجات بين القوى القومية و الطائفية ويدل على مدى هشاشة الدولة و الحكومة.

 

نحو الاشتراكية: كما هو معلوم ان حكومة المالكي هي حكومة طائفية وقومية وان هذه الحكومة هي التي تقود العراق على مدى دورتين انتخابيتين متتاليتين وقد أخفقت هذه الحكومة لحد الان حتى من توفير الحد الأدنى من مقومات وشروط الحياة الانسانية في العراق. باعتقادكم هل ان هذا الاخفاق المستمر يعود الى التركيبة الطائفية والقومية لهذه الحكومة؟ أم الى الظروف الدولية وشروط الانتاج الرأسمالي في البلدان الخاضعة؟ وهل بوسع حكومة برجوازية مهما كان شكلها السياسي ان تحقق التطور والرفاه في ظل شروط الانتاج الامبريالي؟

سمير نوري: التركيبة القومية _ الطائفية هي نتيجة لعملية سياسية بدأت بحرب امريكا و حلفائها على العراق التي دمرت المجتمع العراقي اقتصاديا و اجتماعيا ، وفرضت اوضاعا خطيرة جدا وهي مستمرة لحد الان تحت عنوان " تحرير العراق " ولا زالت موجودة و لا يزال ألاوضاع تمر بتأثير هذه العملية السياسية. ان الوضع في العراق قبل ان تكون نتيجة لشروط ألانتاج الرأسمالي الخاضع للامبريالية، فهو ناتج للضروف السياسية و الحرب و تحويل العراق الى ساحة لحسم صراع قطبي الأرهاب العالمي الاسلام السياسي من طرف و امريكا و حلفائها في الطرف الآخر. كان هناك غياب للدولة وتشتت واضح بين القوى الميلشياتية التي تسيطر على المجتمع، ولذلك فإن المجتمع العراقي تعاني من عدم وجود الدولة و عدم وجود دولة بالمعنى المتعارف عليها قبل ان تعاني من وضع افتصادي كما هي في الدول المعروفة بالعالم الثالث او الدول الخاضعة لشروط الانتاج الأمبريالي و بالطبع هذا الجانب ايضا يثقل كاهل العامل و الأنسان الكادح في نهاية التحليل و لكنه هذا لا يفسر الوضع الحالي في العراق.

اننا اعلنا في كل قرارتانا خلال السنين الماضية بان البرجوازية بكلا شقيها غير قادرة على حل الأوضاع في العراق و لا يزال هذا الحكم صحيحا و لا يزال الصراعات الدموية و عدم وجود ادنى مستويات الأمان و الخدمات على حالها و ان طلب المهلة من قبل المالكي من الجماهير الغاضبة لم يحل اي شيء.  حيث ان البرجوازية تعاني من ازمة اقتصادية و سياسية و ايديولوجية و هذا بدورها اثرت على اوضاع العراق و دفعتها نحو الأسوء.

و بعد مرور اكثر من سنة على الانتخابات لازالوا عاجزينعن تشكيل الحكومة و ما زال المالكي يتحدث عن حكومة " الاكثرية" و اياد علاوي يتحدث عن " الأنتخابات المبكرة" ان هذه الصراعات و المصادمات بين الأقطاب المسيطرة على السلطة يبين مدى عمق سوء الأوضاع و مدى بعد خلاص الجماهير من الأوضاع المأساوية.

وحول مسألة هل أنه بوسع "حكومة برجوازية مهما كان شكلها ان تحقق التطور و الرفاه في ظل شروط الأنتاج الأمبريالي"؟ يجب ان نفصل التطور عن الرفاه، التطور ممكن لان البرجوازية بامكانها ان تجلب التكنلوجيا و يجدد الأنتاج و طبعا من خلال استغلال العمال و الطبقة العاملة  ولهذا يمكن ملاحظة تحقيق التطور الأقتصادي في العديد من البلدان التي تسمى بالعالم الثالث، و لكن الرفاه مسألة اخرى وان دولة الرفاه موجودة في اوروبا و في بعض مناطق العالم الاخرى وكانت نتيجية مباشرة لضغوطات الثورات الأشتراكية و اجبار البرجوازية على التنازل عن بعض من ارباحها لتقديم الخدمات و الأصلاحات الأقتصادية و لكن الوضع الحالي و بتأثير الأزمة العالمية التي تمر بها العالم حاليا" ان فكرة الرفاه غير موجودة على طاولة البرجوازية، بل بالعكس ان التقشف و التجويع و البطالة و الحرمان هي التي حلت محل الرفاه على اجندة البرجوازية و ان دولة الرفاه قد انتهى تاريخها . فاذا نظرنا الى الأوضاع  في اليونان و بعض دول اوربا الاخرى و ليس في الشرق الأوسط  تمارس الضغوطات على الجماهير و تفرض المزيد من الضرائب و التقشف على الجماهير أكثر فأكثر، وليس هذا فقط يل هناك أيضا" في العالم، و حسب تقارير منظمة الغداء العالمية، مئات الملايين من البشر يعيشون تحت خط الفقر وهذه النسبة في ازدياد مطرد. ولذلك فإن البربرية هي صفة البرجوازية لهذا العصر و ليس الرفاه و لهذا فان شعار "البربرية ام ألأشتراكية" اثبتت احقيقتها بجدية اكثر.

 

نحو الاشتراكية: انتم في الحزب الشيوعي العمالي اليساري العراقي رفعتم شعار الحكومة الانسانية. بماذا ستختلف هذه الحكومة عن بقية الحكومات البرجوازية؟ ماذا ستكون أهم أولويات هذه الحكومة؟ وهل بامكان مثل هذه الحكومة اخراج العراق من دوامة الأزمات السياسية والاقتصادية وتحقيق الرفاه والحرية لجماهير العراق؟

سمير نوري : نحن لم نرفع شعارا خياليا ان جماهير المنطقة تدعو الى حياة انسانية و كرامة  انسانية و هذه المطاليب هي التي دافعنا عنها على طول الخط. ان جماهير العراق ذاقوا الأمرين ُ من الحكومات القومية و الدينية و الطائفية ومن جرائها يقف لحد الان مصير المجتمع العراقي على كف عفريت. وبسبب و جود هذه القوى في السلطة وسيطرتهم على مصادر القوة في البلد من الثروة و الاسلحة و الميليشيات، قد أغرقت بعض المدن الكبرى بالدم. ان تقسيم المجتمع بين القوميات و الأديان و الطوائف كان و لا زال سياسة رجعة معادية للانسان و للقيم الأنسانية و ان هذه التقسيم كان النتيجة المباشرة لبزوغ النظام العالمي الجديد الدموي الذي حول اكثرية مناطق العالم الى مراكز للحرب و ألاقتتال و التصفيات العرقية و الدينية ، وكان النموذج الحكومي لهذا السياسة هي الحكومة القومية و الدينية و البرلمان الذي ضم ممثلي القوميات و الأديان و العشائر "ليوجركا"و طبقت هذه النموذج في العراق و افغانستان و كان هذا النموذج من أكثر النماذج  بربرية في تاريخ البشرية المعاصرة.

الحكومة الأنسانية هي البديل المعادي لهذا النموذج من الحكومات و ان الثورات العظيمة التي برزت في المنطقة رفعت على رايتها الكرامة الأنسانية ، ان ارجاع الهوية الأنسانية الى الأنسان وارجاع كرامته و خلاصه من الهويات القومية و الدينية و الطائفية و العرقية يشكل قضية محورية و معادية للعملية السياسية التي مرت بها العالم خلال عقدين من التاريخ التي مضت. ان عمق هذه الثورات تقع في هذه الجانب من تطلعاتها اي ارجاع الكرامة الأنسانية.

ان الحكومة الأنسانية لا تختلف عن الحكومة الأشتراكية او الجمهورية الأشتراكية او الحكومة العمالية و ان بناء حكومة انسانية بدون ايصال الطبقة العاملة الى السلطة السياسية من وجهة نظري ليس اكثر من خيال  جميل، ان الواقع واقع طبقي قائم على الصراع الطبقي وان  ايصال الصراع الطبقي الى نهايتها كما يقول كارل ماركس في احدى رسائله الي تشكيل الدكتاتورية البرولتياريا في نهاية الصراع الطبقي هي المسألة الأساسية في نظرية النضال الطبقي. الحكومة الأنسانية هي تعبير اخر عن الحكومة العمالية و اننا نرى بدون تشكيل سلطة طبقية و بناء المجتمع الأشتراكي، فان انهاء هذا الوضع غير ممكن.

في الحقيقة ان الغرض من تشكيل الحكومة الانسانية ليس لحل الأزمة السياسية و الأقتصادية بل لخلع السلطة السياسية و الأقتصادية للبرجوازية اي انهاء تشكيلة اقتصادية _ سياسية معينة  اي الرأسمالية و عن طريقها تحقيق الرفاه و الحرية و المساواة.